"في الأيّام الثمانية عشر التي تلت خلع مبارك، عاش الكثير من المصريّين واقعًا على مدى بضعة أيّام لم يعد التحرّش الجنسيّ فيه سلوكًا دارجًا. لقد تحوّل التحرّش الجنسيّ إلى أمر محظور، وأصبح الجسد موقعًا للأخلاق الثوريّة حتّى بات لمسه أو التعليق عليه أو المساس به عملاً منافيًا للمعايير الثوريّة" -هذا بعض ما جاء في محاضَرة د. شيرين صيقلي (وهي محاضِرة في قسم التاريخ في الجامعة الأمريكيّة في القاهرة)، في سمينار برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل الذي عُقد بمناسبة مرور عام على انطلاق الثورات العربيّة.

 

افتتحت السمينار البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان (مديرة برنامج الدراسات النسويّة)، مرحِّبةً بالحضور، ثمّ قالت: "التطرّق إلى النساء والثورات العربيّة يثير العديد من التساؤلات حول أدوار النساء، وبخاصّة حين الاستماع إلى أصوات النساء المصريّات المشارِكات في الثورة المصريّة، حيث تثير التمعّن في هذه الأصوات على تنوّع القراءات حول دور المرأة. وأضافت: "إنّ تعدُّد الأصوات يشير إلى تعدُّد القراءات والتحليلات لدور المرأة في الثورة. وتتعدّد القراءات لا في الداخل المصريّ وَ/أو العربيّ فحسب، بل كذلك تتعدّد القراءات العالميّة لدور المرأة العربيّة، وقد نجد منها القراءات الثقافويّة والقراءات المتأثّرة بالإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام)، وثمّة قراءات أخرى تنظر إلى الإنسان العربيّ بالدونيّة لكونه "غير غربيّ". فكيف لنا نحن أن نقرأ أنفسنا بتحليلنا للثورات، وكيف نقرأ الجسد العربيّ في الحيّز الجديد السياسيّ؟ وكيف نقرأ النضال النسويّ في الثورات العربيّة؟ وأيّ قراءة نسويّة نستخدم؟ تلك بعض الأسئلة التي تحاول هذه الندوة فتحها وتحاول الإجابة عن بعض منها".

استهلّت د. شيرين صيقلي محاضرتها التي كانت بعنوان "أجساد في الميدان" إذ قالت: "لقد استحوذت ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر على مخيّلة العالم أكثر من أيّ لحظة أخرى. وعلى نحوِ ما حاججت رباب المهدي، إنّ الانبهار الغربيّ بالثوّار المصريّين كان مرتبطًا بصورتها العصريّة، باعتبار أنّ شباب الثورة هم مثلنا، أي إنّهم سلميّون عصريّون وينادون بالإصلاح الليبراليّ، بعيدون عن الإستراتيجيا السياسيّة للجسد بوصفه عبوة ناسفة ولا يرتدون العباءة الإسلاميّة". وأضافت قولها: "كان الجسد المصريّ محوريًّا في سيرورات الثورة، وكان أحد الأسباب الرئيسيّة الذي جعل الثورة المصريّة تستحوذ على المخيّلتين العربيّة والعالميّة بهذا القدر من القوّة".

 

وفي ما يتعلّق بالأجساد في الميدان، قالت د. صيقلي: "لقد كُتب الكثير عن الطرق التي بها جرى توظيف أجساد النساء في الصراعات القوميّة والدينيّة وغيرها، ونواجه اليوم في موضوع الجندر والجسد حاجة ماسّة إلى طرح العديد من الأسئلة حول الجسد: طريقة عرضه وتمثيله وأدائه ومعناه. ووَفق منظور ميدان التحرير، يشكّل الإنتاج الغزير والحاضر على الدوام للجسد المصريّ الذي تمتّع بالانكشاف غير المسبوق بسبب الميديا الاجتماعيّة والفضائيات أحد العوامل التي تجعل هذا النداء ملحًّا".

من خلال عرض صور من أيّام الثورة، تطرّقت د. صيقلي إلى دور الجسد في الثورة المصرية، وتوقّفت صيقلي عند بداية الثورة المصريّة فقالت: "لقد أضحى وجهُ خالد سعيد الوجهَ الذي أشعل الثورة؛ فعلى الرغم من أنّ خالد سعيد لم يكن حالة استثنائيّة، شكّل نقطةَ تحوُّل؛ ومَرَدُّ هذا -في الغالب- إلى انتشار صورته انتشارًا واسعًا في شوارع مصر وعلى شبكة الإنترنت، وإلى أنّ صورته فضحت مدى همجيّة الشرطة والتواطؤ القضائيّ في سبيل صقل فنّ التعذيب في مصر.[….]. لم يكن جسد خالد سعيد الوحيد الذي أدّى دورًا في الثورة المصريّة، بل حملت أجساد أخرى معانيَ الثورة، كجسد مينا دانيال في أحداث ماسبيرو، وكذلك تحوَّلَ أحمد حرارة -الذي فقد البصر في عينيه الاثنتين في الثورة على يد الشنّاوي المعروف بلقب صائد العيون- إلى رمز آخر في الثورة".

 

أمّا عن جسد المرأة في الثورة المصرية، فقالت د. صيقلي: "في الأيّام الثمانية عشر التي تلت خلع مبارك، عاش الكثير من المصريّين مهرجان المضطهدين، وتحوّل الميدان إلى معسكر مقاومة عاش فيه النساء والرجال معًا من جميع الفئات. حينذاك، بدا أنّ أيّام خارطة التحرّش الجنسيّ قد مضت. وقد كانت خارطة التحرّش الجنسيّ مبادرة لمحاولة التحدّي والتصدّي والقضاء على حالة القبول الاجتماعيّ لظاهرة التحرّش الجنسيّ الذي تتعرّض له 80% من النساء المصريّات. لكن على مدى بضعة أيّام في بداية العام 2011، لم يعد التحرّش الجنسيّ سلوكًا دارجًا. لقد تحوّل إلى أمر محظور، وأصبح الجسد موقعًا للأخلاق الثوريّة حتّى بات لمسه أو التعليق عليه أو المساس به عملاً منافيًا للمعايير الثوريّة. مع ذلك، فور عودة الرؤى المتعدّدة بعد الأيّام الثمانية عشرة إلى حيّزها الإلزاميّ في إطار الإجماع الوطنيّ، تحوّل الجسد -وجسد المرأة على وجه الخصوص- من جديد إلى هدف لدى الأصوات اليمينيّة والمعارضة للثورة. ويشهد على هذا التشهير الذي تعرّضت له النساء المصريّات في 8 مارس والاعتداء الجنسيّ الذي مارسه المجلس الأعلى للقوّات المسلحة تجاه 17 امرأة في المتحف المصريّ". بالرغم من هذا، "لقد أَظهَرتْ شَجاعةُ سميرة إبراهيم ورفعها لدعوة (كسبتها لاحقًا) ضد المجلس العسكريّ، والمظاهرةُ النسائيّةُ في الـ 20 من ديسمبر، وصورُ علياء المهدي، بالإضافة الى الصور التي رُسمت على جدران المدينة ومن خلالها أعيد تشكيل صورة المرأة الشابّة بالصدريّة الزرقاء من امرأة مضروبة ومجرورة في ميدان التحرير لتصبح بذلك امرأة خارقة (super woman) تحارب الحكم العسكريّ، أَظهَرتْ أنّ النساء لن يتجاهلن أجسادهنّ بسهولة بوصفه موقعًا للإذلال. ومثلما كسر وجهُ خالد سعيد المعذَّبُ أيّةَ مصداقيّة قد تكون وزارة الداخليّة تمتّعت بها يومًا، كذلك الشأن في حالة المرأة الشابّة بالجينس الأزرق: لقد دَمّرت سمعةَ الجيش".

واختتمت د. صيقلي مداخلتها قائلة: "إنّ حادثةَ المرأة الخارقة (super women)، والمظاهراتِ النسائيّةَ الحاشدةَ التي أعقبت ذلك، وخطابَ المجلس العسكريّ للقوّات المسلّحة، أعادت إنتاج مجموعة من المفردات والادّعاءات القديمة والتي تجعل من طهارة وشرف جسد المرأة مؤشّرًا على صحّة الأمّة على المستوى الأخلاقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ. وعليه، في الواقع المصريّ الذي يشهد -من ناحية- المؤتمرَ النسائيَّ الأوّلَ لحزب النور الذي اعتلى منصّتَه مجموعةٌ مؤلَّفة بكاملها من الرجال، ويشهد -من ناحية أخرى- ناشطاتٍ مثل سميرة إبراهيم وعلياء المهدي اللتين كسرتا محظورات عن كلّ ما يقال عن جسد المرأة أو يصنع به، سواء أكان ذلك بخيارها أم بدونه، تبقى الأسئلة حول دَور النساء وأجسادهنّ مفتوحة على جميع الجبهات وربّما بإلحاح أشدّ".

استضاف برنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل مجموعة من النسويات الأصلانيات من العالم الثالث في زيارة لهن لفلسطين. يذكر أن البعثة تزور فلسطين بهدف التضامن مع الشعب الفلسطيني، وستعمل على الالتقاء مع فلسطينيين وفلسطينيات للتعلم عن واقع الحياة، ولنقل رسالة إلى العالم حول ضرورة النضال من أجل عدالة غير مجزأة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

 

وقد شملت البعثة مجموعة من الباحثات النسويّات المهمات في الحقل الأكاديمي، مثل الباحثة الهندية شاندرا تالبيد موهانتي والباحثة والناشطة السياسية بربارا رانسبي، التي عاصرت وشاركت بشكل فعال نضال السود في الولايات المتحدة. كما شاركت في المجموعة المفكرة أنجيلا ديفس التي تعد أبرز ناشطة وأستاذة جامعية دافعت عن حقوق السود وعرفتها السجون الأمريكية بتهم ملفقة.

افتتحت اللقاء السيدة همّت زعبي، مركزة برنامج الدراسات النسوية وباحثة في مدى الكرمل، حيث رحبت بعضوات البعثة وشكرتهن على حضورهم إلى فلسطين، وشكرت بشكل خاص رباب عبد الهادي، البروفيسورة المشاركة في الدراسات العرقية ودراسات العرق والمقاومة والأستاذة المتخصصة في دراسات الجاليات العربية والمسلمة في جامعة سان فرانسيسكو على المبادرة والمجهود الذي وضعته في إحضار هذه البعثة الي فلسطين بشكل عام، وإلى برنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل بشكل خاص.

 

وأضافت "يحمل هذا اللقاء الكثير من المعاني، وخاصة لتقاطعه مع أهداف برنامج الدراسات النسويّة الذي يعمل على دفع مكانة المرأة الفلسطينية من خلال إجراء أبحاث نقدية تقاوم التوجهات الإسرائيلية الاستشراقية والكولونيالية؛ أبحاث تعمل على الكشف عن آليات القمع والدور الذي تلعبه الدولة كدولة صهيونية استعمارية فيترسيخ واقع المرأه المتدنّي. ولأن اللقاء يتلاءم مع أهداف البرنامج الذي يسعى إلى تطوير وإقامة علاقات بين الباحثات الفلسطينيات في الداخل ومع باحثات وناشطات من دول الجنوب".

من جهتها عرفت بروفيسور عبد الهادي أهداف البعثة وقالت "جاءت هذه البعثة إلى فلسطين من "أميركا الأخرى"، غير تلك المهيمنة الرأسمالية والمسيطرة، وهي مجموعة من باحثات وناشطات مهمات كل في مجالها تنتمي إلى شعوب أصلانية ومجموعات مهمشة وإلى أقليات؛ مجموعة تبحث عن العدل غير المجزأ. حضرت إلى فلسطين تحمل رسالة تضامن وتحاول من خلال الزيارة أن تعيش وتفهم للعمق الواقع الفلسطيني، لتقوم في نهاية اللقاء بكتابة ورقة موقف حول العدالة في فلسطين، مشددة على العدالة لفلسطينيي الـ 48 وتدعو فيه العالم الانضمام إلى حملة المقاطعة".

 

حضر اللقاء العديد من الناشطات والأكاديميات الفلسطينيات من مناطق الـ 48 وتناولن العديد من القضايا، من أهمها واقع النساء الفلسطينيات، وتأثير السياسيات الكولونيالية الصهيونية على مجالات حياتهن المختلفة. وفي نهاية اللقاء أكدت الباحثة همّت زعبي على أهمية هذه اللقاءات وعلى ضرورة ايصال معاناة النساء الفلسطينيات للعالم وخاصة على ضوء تغييب هذا الجزء من الشعب الفلسطيني من الرأي العام.

استضافت كل من جمعية السوار وبرنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل الدكتورة منار حسن في محاضرة لها تحت عنوان "في حضرة المغيبات: الحاضرة (المدينة) الفلسطينية ونساؤها والحرب على الذاكرة" وذلك في لقاء تكريمي لها بمناسبة حصولها على شهادة الدكتوراه في موضوع المحاضرة. أقيم اللقاء في مقر جمعية السوار في حيفا يوم الخميس 25 حزيران.

افتتح اللقاء بكلمات تهنئة للباحثة وترحيب بالضيوف من الأطر الداعية، تلتها محاضرة الباحثة حسن والتي استعرضت خلالها بعض جوانب المدينة الفلسطينية قبل هدمها عام 48، حيث ادعت أن هذه المدينة قد غيبت في حيزين: الجغرافي والذاكرة. كما وأشارت حسن إلى انه رغم أهمية دور الأبحاث إلا أن بعض المعرفة ستبقى أبدا محدودة، لأن المدينة دمرت ولم يبق منها إلا شظايا وفتات حاولت تجميعها لتبين صورة لما كان. كما حاولت خلال المحاضرة أن تتعرض لتأثير تدمير المدينة على مكانة المرأة وعلى العلاقات الجنوسية.
أشارت بداية إلى انه من ضمن احد عشر مدينة فلسطينية بينها ثلاث مدن مركزية، لم يبق إلا مدينة واحدة. وبعد تدمير المدن تمت عملية ما أسمته بالترييف. الأمر الذي استأصل المدينة واثر على النسيج الاجتماعي.

كما وإدعت انه فقط في العقد الأخير من القرن العشرين ونتيجة لتراكمات معينة ، بدأت تظهر شرائح مدينيه على هامش المدينة اليهودية أدت إلى تحولات اجتماعية منها ما كان أيضا على صعيد مكانة المرأة والعلاقات الجنوسية. ولكنها أضافت أن هذه التحولات لا تلغي الحالة الوجودية من غياب المدينة وهو وضع يشكل حالة فريدة في التاريخ الحديث. ادعت حسن أن المدينة عامل هام في حدوث التغييرات ففيها نشوء القومية وفيها تبدأ تحولات العلاقات الجنوسية لان الحركة النسوية تنشأ في المدينة. إضافة إلى ظواهر ثقافية أخرى كالفن التشكيلي والرواية. هذه المدينة برأيها لم يغيبها فقط التأريخ الصهيوني وإنما التأريخ الفلسطيني لغاية منتصف التسعينات.

خلال استعراضها لبعض جوانب المدينة الفلسطينية قبل 48 قالت حسن مثلا، أن مجمل الصحف التي صدرت في فلسطين آنذاك كانت 206 صحف. إضافة لدور السينما والمسارح والنوادي الثقافية. وداري إذاعة ومقاه ومراقص وحدائق عامة وكذلك نقابات عمالية وتنظيمات نسوية وكل هذه الاحيزة اختفت. حسن تضيف أنها ترى هذه المدينة من خلال أعين نسائها اللواتي عشن مدينة ما قبل ال48 واللواتي قابلتهن أو راجعت ما كتبنه للصحف والمجلات، فتقول مثلا أن قضايا المرأة كانت متناولة بشكل كبير فأشارت إلى بعض الأسماء النسائية الهامة كالكاتبة والمفكرة فكرية صدقي من يافا، التي طرحت نقاشات هامة في الصحف حول مكانة المرأة كالعلاقات بين الجنسين والدين والدولة والزواج والطلاق، وساذج نصار التي حررت صحيفة الكرمل لمدة أربع سنوات. هذه الفضاءات إضافة إلى أفعال شخصية أخرى مثل خلع النقاب، أدت إلى خلق نقاشات حادة وعارمة حول مكانة المرأة والعلاقات بين الجنسين، وقد كانت مساهمة الرجال أيضا في هذه النقاشات كبيرة ولم تقل عن مساهمة النساء.  أشارت أيضا إلى ظاهرة الجناكي وهي ظاهرة مرتبطة بالطبقة الدنيا من نساء عملن كراقصات أو مغنيات أو عازفات، هؤلاء النساء حصلن من خلال عملهن على استقلال اقتصادي وحيزي. وكانت ظاهرة انتقال نساء للسكن في مدن والاستقلال بالسكنى من اجل العمل كالمعلمات مثلا ظاهرة مقبولة، خاصة العزباوات اللواتي كن ينتقلن من قراهن أو داخل المدينة للسكن.

خلال النقاش طرحت بعض الأسئلة والملاحظات فمع التأكيد على أهمية تأريخ هذا الجزء من حياة الشعب الفلسطيني قبل النكبة سُأِلت الباحثة لماذا الاحتفاء بالمدينة ؟ خاصة وان دخول الحداثة وما واكبه من رأسمالية وإفقار أدى إلى اختلاف شاسع بين الريف والمدينة، وكما وتم التساؤل هل نتحدث عن فروقات بين المدينة والقرية أم نفاضل بينهما لصالح المدينة؟. أشارت حسن إلى أن استحضار المدينة هام لان الحيز المديني برأيها عامل مؤسس للعديد من الظواهر الاجتماعية التي لا يملك أن ينتجها الحيز الريفي، وهذا يفسر كون وضعنا متدنيا أكثر من العالم العربي أو المناطق الفلسطينية التي احتلت عام 67 ولم تهدم مدنها. وقالت أيضا انه بسبب غياب المدينة فجزء منا ذوت كثيرا من الأساطير حول "تمدننا" بفضل إسرائيل.

"النكبة كانت الحدث الأهم والمؤسس في حياة عرب الداخل ومركباً أساسياُ في تشكيل وعيهم. ولا يمكن فهم تاريخ عرب الداخل دون فهم تاريخ النكبة بشموليتها وبتفاصيلها، أي ما حدث في كل بلد وبلد، وخاصة خلال سنة كاملة من حرب 1948 واستمرار أحداث النكبة"، هذا بعض ما جاء في محاضرة د. عادل مناع في مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية.

وكان مركز مدى قد استضاف أمس (الأربعاء) الدكتور عادل مناع في محاضرة تحت عنوان "المعاني المختلفة للنكبة في الجليل في 1948" حضرها العديد من الباحثين والناشطين السياسيين. والدكتور عادل مناع مؤرخ وباحث بارز، أدار مركز دراسات المجتمع العربي في إسرائيل في معهد فان لير في القدس حتى عام 2007. وكان د. مناع قد سلط الضوء عبر كتابين له باللغة العربية على تاريخ فلسطين خلال الحقبة العثمانية وهما: أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني 1800-1918 (1995) وتـاريخ فلسـطين في أواخـر العـهد العثماني، 1700-1918 (1999). ومحاضرته هذه في مركز مدى تعتمد على بحث مطوًل حول النكبة في الجليل يعكف عليه منذ عدة سنوات، ومن المتوقع أن يصدر الجزء الأول منه قريبا.

افتتح الندوة البروفيسور نديم روحانا مدير عام مركز مدى الكرمل، فتحدث عن نشاطات مدى القريبة وقدم الدكتور مناع. ثم استهل د. مناع محاضرته موضحا أنه سيحاول تفكيك الخطاب التاريخي والشمولي للنكبة، من خلال التركيز على النكبة في منطقة الجليل كحالة دراسية، وأنه سيتناول المعاني والدلالات المختلفة للنكبة، عبر الخوض في التفاصيل بنظرة شمولية، وفي محاولة للإجابة عن العديد من الأسئلة الصعبة والملحة.

قال الدكتور مناع إنه بعد النكبة وحتى عام 1948 (أي قبل تسليم منطقة المثلث وضمها لإسرائيل عام 1949) شكل سكان الجليل الجزء الأساسي من فلسطينيي الداخل، حيث بقي هناك نحو 106 آلاف فلسطيني من أصل 120 ألف فلسطيني بقوا ضمن حدود الدولة العبرية. ثم طرح مجموعة من الأسئلة التي تفرضها هذه الحقيقة: لماذا بقى هذا العدد في الجليل؟ لماذا نجت الناصرة وقراها من مصير طبريا وصفد وغيرها؟ لماذا لم تبق قرى عربية في الجليل الشرقي، حيث دُمرت 86 قرية من أصل 90 قرية؟

ثم ذكر الدكتور مناع أن الكتابة عن النكبة (عربيا وإسرائيليا) تميّزت حتى الآن بنوعين من الكتابة: الكتابة الشمولية التي تغفل التفاصيل، والمحلية التي تفتقد للنظرة الشمولية دون محاولة الربط بين الحدث المحلي والقضية العامة والأشمل. بعدها قسم د. مناع النكبة في الجليل إلى أربع مراحل، لكل مرحلة خصوصيتها وأحداثها: المرحلة الأولى وتمتد من كانون أول 1947 وحتى نيسان 1948، أي قبل تنفيذ الخطة (د) الخاصة باحتلال مدن وقرى فلسطينية وطرد سكانها. وذكر أنه في هذه المرحلة وفي 18 كانون الثاني 1947 ارتكب الجيش الإسرائيلي أول مجزرة في قرية الخصاص بمشاركة "الهجانا"، حيث قتل الجيش 13 رجلاً وامرأة وطفلاً وهم نيام في بيوتهم. وفي 31 كانون أول 1947 نفذت "الهجانا" مجزرة في بلد الشيخ وقتلت 60-70 من الرجال والأطفال والنساء، وتم تهجير سكانها.
المرحلة الثانية تبدأ من نيسان 1948 وحتى تموز؛ والمرحلة الثالثة، هي مرحلة حرب الأيام العشرة بعد اتفاقية وقف إطلاق النار الأولى، وبدأت من 9 تموز حتى 18 تموز. في هذه المرحلة تم احتلال الجليل الأسفل والغربي؛ أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة احتلال "جيب الجليل، والتي تم احتلاله خلال يومين بعد خروج جيش الإنقاذ. وقد أشار د. مناع أنه، ومع بداية الحرب، تعامل معها الفلسطينيون وكأنها نسخة جديدة من ثورة 1936-1939 فلم يستعدوا لها كما يجب. وقال إن الوعي جاء متأخراً كثيراً بأن الحديث هو عن حرب مصيرية، وخاصة بعد عمليات الترانسفير ومنع المهجرين من العودة إلى قراهم ومدنهم.

وقال د. مناع إن عدة عوامل أثرت في بقاء النسبة الأكبر من سكان فلسطين الداخل في منطقة الجليل، منها: بدأ الوعي بخطورة الحرب مما أدى إلى نوع آخر من تصرف السكان وتعاملهم مع الحرب وتمسكهم في قراهم؛ بدأ الضغط على إسرائيل بعد الجرائم التي ارتكبتها في اللد والرملة. وقال أيضا إن الجليل كان على هامش فلسطين التاريخية، حيث كان المركز في القدس، وإن كون الجليل بعيداً عن المركز قد أثر كثيراً على الأحداث وتصرف السكان، لبعدهم عن سلطة القيادة المركزية.

بعدها تناول الدكتور مناع "حالة الناصرة" وقراها. وتساءل: كيف حدث في بداية تموز أن ارتكبت الصهيونية مجازر فظيعة في اللد والرملة وطردت نحو 70 ألف نسمة، وفقط بعدها بنحو أسبوع تم احتلال الناصرة ولم يتم تهجير سكانها أو تدميرها، وكيف بقيت معظم قرى الناصرة؟ وقد عزا الدكتور مناع ذلك إلى عدة أسباب منها: الطابع الديني التاريخي للناصرة، بدأ الضغوطات الدولية على إسرائيل، بداية وعي السكان وتمسكهم في وطنهم، دور جيش الانقاذ الذي رابط على مداخل الناصرة ومنع السكان من المغادرة، أحيانا تحت تهديد السلاح، دور عصبة التحرر (فيما بعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي).

هنا تناول د. مناع الدور الذي لعبته عصبة التحرر وتغيير موقفها بتأثير ستالين. وقال إنه حتى تاريخ 19 – كانون الأول 1947، كانت العصبة تتحدث عن دولة واحدة متواصلة ولم تتحدث عن أي حل قومي لليهود، بل كانت تعتبر الصهيونية حركة استعمارية. وذكر أن الشيوعيين اليهود في تلك الفترة وبعد صدور قرار التقسيم طالبوا بالانضمام للهاجانا وإقامة دولة يهودية. كما تطوع قيادة الشق اليهودي للحزب الشيوعي في الجيش وعمل على جلب السلاح وفرق المتطوعين إلى إسرائيل. من هنا بدأت عصبة التحرر بتبني موقف مختلف كليا، فوافقت على قرار التقسيم وبدأت تتحدث عن "حرب بين الشعوب وبين الاستعمار" في حين كان رفاقهم اليهود يقاتلون في صفوف الهاجانا ضد الفلسطينيين.

"بتاريخ 11.7.1947 وبعد دخول الجيوش العربية لمساعدة فلسطين، أصدرت عصبة التحرر منشورا يدعو الجيوش العربية لمغادرة فلسطين والعودة إلى بلادهم"، قال د. مناع. كما أصدرت عصبة التحرر مناشير مماثلة وزرعتها على جيش الانقاذ وحرضتهم على عدم القتال وترك فلسطين. وأشار د. مناع إلى أن صحيفة الاتحاد بدأت تتحدث عن "تحرير الجليل" من جيش الانقاذ، مع العلم أنه وحسب قرار التقسيم كان من المفروض أن يكون الجليل ضمن الدولة الفلسطينية. وقال أيضا إنه يتضح من وثائق المخابرات الصهيونية في حينه ("شاي") أنه كانت دعوة لعدم التعرض للشيوعيين العرب وعدم ملاحقتهم "لأنهم يقومون بدور لصالح إسرائيل"

"الكوفية الفلسطينية كرمز للمقاومة والهوية القومية، لم تبدأ في الستينيات، بل قبل ذلك بكثير. ففي فترة الانتداب البريطاني كان المقاومون الفلسطينيون يلبسون الكوفية، وقد حاول الجيش البريطاني منع استعمال الكوفية،" هذا بعض ما جاء في محاضرة استاذ الأدب العربي المعاصر في جامعة ليون الفرنسية، الباحث والمترجم البروفيسور ايف جونزاليس كيخانو بعنوان " تقمصات الكوفية الفلسطينية: الأسطورة أصبحت عالمية".
وكان مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، قد استضاف جونزاليس في نهاية الأسبوع الماضي، في محاضرة حضرها العشرات من الناشطين، الأكاديميين والمدرسين.

قدم الضيف وعرفه للجمهور د. جوني عاصي المحاضر في قسم القانون الدولي والعلوم السياسية في جامعة بير زيت. ثم تحدث الاستاذ ايف جونزاليس شاكرا مركز مدى والجمهور على استضافته، وقال انه قام بدارسته حول الكوفية الفلسطينية ونشرها على مدونته آخذا بعين الاعتبار الجمهور الفرنسي الذي يجهل التاريخ، والثقافة العربية وحضارتها. "هذا الجمهور يضع أمامي الكثير من التحديات لمعرفته الكبيرة بموضوع المحاضرة، هذه الدعوة والتحدث إليكم هنا في حيفا مهمة جدا لي وتعني لي الكثير، فشكرا على هذه الدعوة. وقال انه ينتمي إلى جيل الستينيات الذي خرج من تجربة استعمار الجزائر، وعاش بقايا اليسار. كان معظم نشاطنا الفكري موجهاً إلى الخارج. فتَّش جيلنا عن طريقة للتوغل في الأشياء المستترة والمحجوبة. وكانت مراجعة الاستشراق ونقده جزءاً من هذا، إضافة إلى الانخراط في المجال السياسي المباشر. وفي سبيل ذلك، بدأنا حواراً مباشراً مع المجتمعات العربية والإسلامية. الفرق بيننا وبين المستشرقين القدامى تتمثّل في أنّ علاقتهم بتلك الثقافات كانت علاقة قوة، إن لم تكن ازدراءً. وقد اهتموا بما هو مكتوب، بينما انصبّ اهتمامنا على الثقافة الشفوية والسير الذاتية والسينما. هم اهتموا بالخطاب الديني، بينما اهتم جيلنا بالظواهر الاجتماعية للدين."

وقال إن اهتمامه بالكوفية بدأ قبل نحو عامين بأعقاب قراءة العديد من المقالات والنقاشات التي دارت في الصحف والمنتديات العربية حول الاستعمالات المختلفة للكوفية الفلسطينية، وخاصة في لبنان، الأردن وفلسطين، وتطرق إلى النقاش الذي دار في بعض مدارس حيفا بين الطلاب والهيئة التدريسية حول استعمال الكوفية.
وقال الاستاذ جونزاليس أنه وفي ظل العولمة بدأت الكوفية الفلسطينية واستعمالها يأخذان منحيين: واحدا ايجابيا وآخر سلبيا. فبينما جاء المنحى الأول للتعبير عن الهوية القومية وعن الرمزية النضالية والتحررية للكوفية، فإن المنحى الثاني كان بدافع الموضة، جاء ضمن عملية تشييء وتسليع هذا الرمز.

وحسب جونزاليس فإن الكوفية الفلسطينية واستعمالاتها عالميا مرت في مرحلتين: المرحلة الأولى قبل نحو عامين، والمرحلة الثانية بعد الحرب الأخيرة على غزة. "حتى قبل عامين ونيف، وبعدما أصبحت الكوفية عالمية، كانت تستعمل في الغرب للزينة. وقد دار نقاش مطول في العالم العربي حول هذا الاستخدام: هل يخدم القضية الفلسطينية أم هو استعمال سلبي مسيء؟" وذكر جونزاليس كيف تباع الكوفية في بعض الحوانيت في الولايات المتحدة وأوروبا بأسعار خيالية (تصل في بعض المحلات إلى 1600 يورو. وذكر حادثة فيها قريبة لجورج بوش تلبس الكوفية للزينة وهي لا تعرف شيئا عنها أو عن النضال.
كما سرد الأستاذ الضيف بعض النقاشات الحادة التي دارت في لبنان حول استعمال الكوفية وتحولها إلى موضة. حيث دافع كبار السن في المخيمات الفلسطينية عن الكوفية التقليدية وضرورة التمسك بشكلها الأصلي. وأشار جونزاليس إلى ظاهرة انتشار استعمال الكوفية لدى المقاومين من حزب الله، إلا انه في هذه الحالة ظهر نوع من الكوفية "الشيعية" التي يغلب عليها الأسود.
كما تنتشر الكوفية في الأردن بشكل واسع، ولكنها ترمز هناك للرجولة. وقال جونزاليس أنه وبعد عرض لوحات للفنانة اللبنانية فلسطينية الأصل منى حاطوم، عن الكوفية في عمان، دار نقاش موسع حول استعمال الكوفية. وكانت الفنانة حاطوم قد عرضت ضمن لوحاتها، عملا فنيا يحمل اسم "كوفية"، حيث استعملت كوفية تقليدية وزينتها بشعر نساء، اعتراضا على المعاني الرجولية للكوفية.

"أما بعد الحرب الأخيرة على غزة عادت الكوفية التقليدية إلى الواجهة. حيث لاحظنا العديد من الفنانين يغنون تضامنا مع غزة وهم يضعون الكوفية الفلسطينية. ولاحظنا انتشار استعمال الكوفية في المظاهرات والأعمال الاحتجاجية والتضامنية في العالم الغربي،" قال المحاضر.
وبرأي جونزاليس "تدل الاستعمالات المختلفة على كون الكوفية رمزا يحمل أكثر من معنى، وأنه ليس ثمة رمز واحد وثابت لها، بل رموز متحولة، متغيرة ومتحركة باستمرار. لكنها جميعا ليست منفصلة عن القاعدة المادية وعن الجذور التاريخية."

ثم تطرق جونزاليس إلى خطورة اندثار هذا الرمز النضالي والقومي من وطنه الأصلي بسبب الاحتلال والعولمة. وذكر على سبيل المثال كيف كانت الكوفية تصنع تاريخيا في الخليل، حيث كان أكثر من 30 مصنعا متخصصا بالكوفية، بينما لم يبق اليوم سوى مصنع واحد فقط. "فهل الرمز الوطني الفلسطيني يختفي عن أرض فلسطين،" تساءل المحاضر الضيف في نهاية محاضرته. بعد ذلك دار نقاش موسع شارك فيها العديد من الحضور.
 

مقاومة الهيمنة:
محاكمة عزمي بشارة
نمر سلطاني، أريج صباغ-خوري
(تشرين أول 2003)

سلسلة دراسات مدى: (52 صفحة)
ISBN: 965-90573-3-4

ملخص:

ضمن "سلسلة دراسات مدى" صدرت دراسة تحليلية لمحاكمة عزمي بشارة في محكمة الصلح في نتسرات عليت حيث يواجه بشارة لائحتي اتهام تتعلقان بتنظيمه لزيارات إلى سورية وتصريحات سياسية ألقاها.

 

يعتبر المؤلفان، نمر سلطاني وأريج صباغ-خوري، وكلاهما باحث في مركز مدى، محاكمة عزمي بشارة أحد المفترقات الاجتماعية والسياسية المهمة التي تخيم على علاقات دولة إسرائيل والأقلية الأصلانية الفلسطينية التي تعيش فيها. وفي متن الدراسة يتطرق الباحثان إلى الطريق التي أفضت الى المحاكمة، والى موقف السلطات وأذرعها المختلفة والرأي اليهودي الاسرائيلي العام تجاه بشارة وحزبه، والدلالات السياسية لموقع المحاكمة وتوقيتها، بالاضافة الى أمر منع الارهاب وتأثيره على الخطاب السياسي، وتأثير هوية القضاة على المحاكمة وغير ذلك من المواضيع.

يكتب المؤلفان في المقدمة:

"نرمي في هذه الدراسة إلى إثبات أن محاكمة عزمي بشارة محاكمة سياسية كلاسيكية، وفق جميع المقاييس المدرجة في النظرية القانونية المتعلقة بالمحاكمات السياسية وأدبياتها. لكن هذه المحاكمة تختلف عن المحاكم السياسية الأُخرى التي جرت في إسرائيل. وذلك في عدد من الأمور: أولاً، جرت المحاكمات السياسية ضد أشخاص اتهموا بارتكاب مخالفات جنائية صرفة تتعلق بأخذ الرشاوى (كما هو الحال في محاكمة وزير الداخلية السابق، زعيم حركة شاس أرييه درعي) أو كانت محاكمات سياسية مرتبطة بالمحرقة النازية ( مثل حالتي يسرائيل كاستنر، وأدولف أيخمان). في المقابل، يحاكم في قضية بشارة، وللمرة الأولى، عضو كنيست بسبب تصريحاته السياسية. ثانيا، تشكل حالة بشارة، المرة الأولى في تاريخ الكنيست التي يتم فيها رفع الحصانة البرلمانية عن عضو كنيست بسبب تصريح سياسي؛ ثالثا، لا يقوم محام خاص بالترافع عن عزمي بشارة، وإنما يقوم بذلك مركز "عدالة- المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل"- وهي منظمة ترفع راية الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في إسرائيل، وتتماثل تماثلا تاما مع وجهة نظر بشارة في هذا الشأن، الأمر الذي يضفي على المحاكمة طابعاً جماعياً؛ رابعاً، يحاكم في الأنظمة الديموقراطية عادة سياسيون غير ديموقراطيين، بينما نرى في حالة بشارة – موضوع الدراسة– أن رسالته السياسية هي رسالة ديموقراطية في تعريفها لذاتها وطروحاتها.

 

لقد سبق أن تمّت مقاربة محاكمة بشارة بمحاكمة درايفوس. وعلى غرار إميل زولا, فقد أطلق بشارة صرخة "إني أتهم"، حيث ظهر الشعار على لافتات كبيرة حملت صورة بشارة. كان كاستنر قد ادعى هو الآخر أنه درايفوس الإسرائيلي، واستخدم التعبير نفسه-"إني أتهم"- لكن محاكمته عكست جدلا بين تيارين صهيونيين. اما في قضية درعي فقد استُخدم الشعار نفسه في الشريط المتلفز الذي أصدره درعي ضد حكاية المؤسسة الصهيونية الحاكمة ذاتها بإسم مجموعتين في المجتمع الإسرائيلي-اليهودي تضررتا منها وهما: الشرقيون والحريديم. في المقابل، فإننا في محاكمة بشارة أمام اتهام أشد لهجة وأكثر تحذيراً. فبشارة يتصدى للروح الجمعية الصهيونية باسم الأقلية الفلسطينية المقصية عن المجتمع الإسرائيلي. وهي روح جماعية معادية للأقلية الفلسطينية، تعرّفها بأنها عدو وتتعامل معها تبعا لذلك.

ادعاؤنا المركزي في هذه الدراسة هو أن ما يكمن في لب محاكمة بشارة بصورة جلية هو الشرخ القومي الصهيوني- الفلسطيني ، متمثلا بالمواجهة بين الدولة " اليهودية والديموقراطية" كتعريف قانوني- دستوري، وبين شعار "دولة جميع مواطنيها" الذي يمثله عضو الكنيست بشارة. إن المواجهة بين هاتين المنظومتين الفكريتين تعكس نزاعاً بشأن تقاسم القوه السياسية."