في نهاية شهر أيلول المنصرم، عقد برنامج الدراسات النسوية في مركز مدى الكرمل ندوة لقراءة ومناقشة كتاب "المرأة وكيانها: موجِّه في قضايا الصحة، الجسد والجنسانية (نساء لنساء)"، تحرير رغدة النابلسي وعربية منصور، إصدار جمعية "المرأة وكيانها" (2011).

 

افتتحت الندوة د. سهاد ظاهر-ناشف، منسّقة برنامج الدراسات النسويّة، فرحبت بالحضور وشكرت السيدة رغدة النابلسي والسيدة عربية منصور على حضورهما ومشاركتهما في الندوة.

 

تلت الافتتاحية مداخلة للسيدة رغدة النابلسي، وهي عاملة إجتماعية وناشطة في المجال الاجتماعي والنسوي ومحررة الكتاب، تطرقت من خلالها لأهم محاور سيرورة الكتاب والوصول إلى صيغته النهائية. قالت: "أن بداية الكتاب كانت في جمعية المرأة وكيانها بحيث تم الاتفاق على أن تتم كتابة كتاب باللغة العبرية للنساء اليهوديات وكتاب باللغة العربية للنساء الفلسطينيات. فكرة الكتاب هي بإيحاء من الكتاب الأمريكي “Our Bodies Our Selves” الذي أصدر من خلال المؤسسة الأمريكية “OBOS”  في بوسطن. المشترك بين الكتابين هو الفجوة الموجودة بين الخطاب الطبي السائد في المؤسسة الطبية وبين الاحتياجات الصحية والجسدية الحقيقية للنساء. وفي السياق الفلسطيني هذه الفجوة كبيرة بسبب السياق السياسي والاجتماعي والفارق الحضاري الذي لا تأخذه المؤسسة بعين الاعتبار أثناء تعاملها مع المرأة الفلسطينية". وشرحت السيدة رغدة في محتويات الكتاب، فقالت: "الكتاب يحتوي على عدة فصول وكل فصل مركب من ثلاث مركبات: الأول هو المركب النظري والعلمي للقضية والذي صاغته وكتبته نساء مهنيات منهن طبيبات، عاملات اجتماعيات وناشطات في الخطاب النسوي الفلسطيني المعاصر، اللاتي دمجن بين الجوانب العلمية  العالمية والمميزات الجسدية والصحية الفلسطينية. المركب الثاني هو توثيق لتجارب النساء والمركب الثالث هو اقتباسات ومقولات تم تجميعها خلال ورشات ولقاءات مع نساء وخلال مقابلات ميدانية في جميع المناطق الفلسطينية في الداخل ".

 

ثم كانت المداخلة الثانية للسيدة عربية منصور وهي ناشطة في المجال السياسي، الاجتماعي والنسوي ومحررة الكتاب. خلال مداخلتها تطرقت السيدة عربية لفصول الكتاب وهي: صورة الجسد، الصحة النفسية، الجهاز التناسلي: الدورة الشهرية والوعي للخصوبة، الأمراض المنقولة جنسيا، الإيدز، العلاقة الجنسية الآمنة، إبطال الحمل، سن الأمان، المرشد في جهاز الصحة وتسييس صحة المرأة والتنظيم من أجل التغيير المجتمعي. أكدت السيدة عربية بأن: "المميز الأساسي في الكتاب هو أصوات النساء، وأن كل قصة من القصص في الكتاب تحكي عن أبعاد جسد المرأة التي تؤثر على حياتها اليومية… الكتاب هو نوع من المساعدة لكل امرأة وفرد وهو نوع من الدعوة للتأمل الذاتي والقراءة الذاتية للرغبات بمعزل عما تم زرعه فينا من قيم وأيديولوجيات اجتماعية. الكتاب يكشف جوانب قانونية مغيبة ومهمة جدا للمرأة والفتاة الفلسطينية". هذا وأكدت السيدة عربية بمداخلتها أن طرح الكتاب هو نسوي معاصر يدمج بين اللغة المتعارف عليها اجتماعيا وبين اللغة المهنية البديلة كمحاولة لخلق لغة جسدية صحية جديدة خالية من التأثيرات الاجتماعية الأبوية. ثم قرأت بعض الاقتباسات المأخوذة من أصوات النساء في الكتاب وبينت كيف تؤثر المفاهيم المجتمعية على لغة جسد الفتاة والمرأة وعلى كيفية تعاملها معه وعلى مدى ثقتها بنفسها وبمن حولها.

 

في نهاية الندوة دار نقاش بين الحضور وتم توجيه أسئلة للمحرّرتين حول عدة قضايا محورية في الكتاب.  

 

 

ملاحظة: مرفقة نبذة عن الكتاب وعن محاوره الأساسية

 

بروفيسور محمد حاج يحيى: هذه الجائزة تأتي تقديراً لإنجازاتكم العلميّة، ولكننا وضعنا نصب أعيننا أيضاً مدى انخراطكم في هموم مجتمعكم.
السيدة إيناس عودة-حاج : دعم الباحثين والباحثات الشباب هو جزء من الرؤية والسياسة العامة لمدى الكرمل الذي يرى دوره دعم واحتضان الباحثين الفلسطينيين.

عقد مدى الكرمل – المركز العربي للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة- لقاءً أكاديمياً تم فيه توزيع "جائزة مدى للامتياز الأكاديمي" على الباحثين الثلاثة الذين فازوا بها وهم: حنين قرواني – طالبة في المسار المباشر للقب الثالث في علم الدماغ واضطرابات التواصل في جامعة حيفا؛ علي مواسي – طالب لقب ثانٍ يكتب رسالة الماجستير في الدراسات العربية والإسلامية في جامعة تل أبيب؛ نسرين مزاوي – طالبة لقب ثانٍ في علم الإنسان في جامعة حيفا.

وكان مدى الكرمل قد أعلن منذ بضعة شهور عن إطلاقه للجائزة كتشجيع للإنجاز الأكاديمي الفلسطيني. وتأتي الجائزة من صندوق خاص أنشأه المركز لدعم الإنجاز الأكاديمي، كان حجر الأساس فيه التبرع السخيّ الذي قدمته بروفيسور نادرة شلهوب-كيفوركيان إثر فوزها بجائزة صندوق بيتر وباتريسا غروبر تقديراً لإنجازاتها في مجال حقوق المرأة في العام 2008. ويهدف الصندوق الى دعم التفوق الأكاديمي للطالبات والطلاب الفلسطينيين في مراحل التعليم للدرجات العليا ويشمل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم. وقد قام المركز بتشكيل لجنة أكاديميّة لدراسة الطلبات الكثيرة التي تقدمت، واختيار الفائزين بحسب معايير أكاديمية. وتكوّنت اللجنة الأكاديميّة من: بروفيسور محمد حاج يحيى، بروفيسور نادرة شلهوب-كيفوركيان وبروفيسور ميخائيل كرينّي.

بدأ اللقاء بمحاضرة للمحاضر في كليّة الحقوق في الجامعة العبرية، بروفيسور ميخائيل كرينّي، بعنوان: "تشابك الدين مع الدولة من منظور الأقلية الفلسطينية في الداخل". تساءل كرينّي خلال مداخلته عن سبب حصر الأبحاث في موضوع الدين والدولة فقط في أمور تتعلق في التنافر ما بين الطابع اليهودي للدولة وما بين القيم الديمقراطية والليبرالية؛ في حين أن هنالك انعداماً تاماً للنقاش في نصوص أساسيّة تتعلق بالدين والدولة حول التنافر ما بين اختصاصات المحاكم الدينية الفلسطينية (الشرعيّة منها والكنسيّة) والقيم الليبراليّة والديمقراطيّة. فمثلاً، قضية تعدّد الزوجات كتشريع ديني يسمح بذلك من ناحية، ولكنه من ناحية أخرى يتنافر مع قيمة ديمقراطية ليبرالية تسمح بحريّة الفرد. أو مثلاً عدم إمكانيّة الطلاق لدى بعض الطوائف المسيحيّة هي أيضاً تتناقض مع قيمة حريّة الفرد. وقال كرينّي أنه من الممكن تدخّل الأحزاب العربية لملء الفراغ الذي تتركه الدولة في هذا المجال لاقتراح قوانين تتعلق مثلاً بقضايا الأحوال الشخصيّة.

في الجزء الثاني من اللقاء، تحدّث بروفيسور محمد حاج يحيى باسم اللجنة الأكاديميّة للجائزة، فهنّأ الفائزين/ات بالجائزة وقدّمهم/ن تقديماً مقتضباً، وقال:" لقد تقدّم للجائزة 19 طالباً وطالبة، ولم يكن الاختيار بينهم سهلاً لأن جميعهم كانوا على مستوى عالٍ جداً من الإنجاز الأكاديمي والثقافي والعطاء المجتمعي. لقد وضعنا نصب أعيننا إنجازاتهم الأكاديمية طبعاً، ولكننا نظرنا أيضاً الى مدى انخراطهم المجتمعيّ وكانت تلك المقاييس لاختيار الفائزين بالجائزة".

ثم تحدثت السيدة إيناس عودة-حاج، المديرة المشاركة في مدى الكرمل، فشكرت الحضور وشكرت اللجنة الأكاديميّة على عملها الدؤوب وهنّأت الفائزين وقالت:" أنتم أمل المستقبل بالنسبة لنا ونحن فخورون بكم. إن دعم الباحثين والباحثات الشباب هو جزء أساسي من رؤية مدى الكرمل ودوره، ولمدى الكرمل رصيد من دعم الباحثين الفلسطينيّين بدءاً بمشروع نساء باحثات الذي أقامه مدى قبل عدة سنوات لتدريب ودعم جيل جديد من الباحثات الفلسطينيّات، مروراً بمؤتمر مدى لطلاب الدكتوراه الفلسطينيّين في العام الماضي وصولاً الى هذه الجائزة من أجل احتضان الباحثين الفلسطينيّين الشباب. وسنعمل على تجنيد المزيد من الأموال من أجل استمرار الدعم للباحثين الفلسطينيّين في كافة أماكن تواجدهم." كما تقدمت بالشكر لبروفيسور نادرة شلهوب-كيفوركيان على التبرع السخيّ من أجل إقامة صندوق للجائزة، ثم دعت اللجنة لتسليم الجوائز للفائزين.

هذا وقد أثنى الفائزون الثلاثة على مبادرة مدى الكرمل لإنشاء صندوق الامتياز الأكاديمي، وشكروا المركز على احتضانه للأجيال الشابة من الباحثين الفلسطينييّن. وقالت حنين قرواني: "رغم أني قد حصلت على جوائز أخرى إلا ان التقدير من مركز أبحاث فلسطيني له طعم خاص ويترك في نفسي أثراً كبيراً وشعوراً لا يوصف". أما علي مواسي فقال: "يقدّم مدى الكرمل نموذجاً خاصًا في النشاط الأكاديمي والثقافي من خلال ندواته ومؤتمراته، والجائزة منه تعطيني دفعة الى الأمام نحو خدمة شعبي وقضيتي ومجتمعي". بدورها شكرت نسرين مزاوي مدى الكرمل وقالت: "وجود مدى الكرمل كمركز أبحاث فلسطيني في الداخل هو مهم لأنه يعطي إمكانية أخرى للعمل والإنجاز الأكاديمي خارج إطار الأكاديميا الإسرائيلية".

"في الأيّام الثمانية عشر التي تلت خلع مبارك، عاش الكثير من المصريّين واقعًا على مدى بضعة أيّام لم يعد التحرّش الجنسيّ فيه سلوكًا دارجًا. لقد تحوّل التحرّش الجنسيّ إلى أمر محظور، وأصبح الجسد موقعًا للأخلاق الثوريّة حتّى بات لمسه أو التعليق عليه أو المساس به عملاً منافيًا للمعايير الثوريّة" -هذا بعض ما جاء في محاضَرة د. شيرين صيقلي (وهي محاضِرة في قسم التاريخ في الجامعة الأمريكيّة في القاهرة)، في سمينار برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل الذي عُقد بمناسبة مرور عام على انطلاق الثورات العربيّة.

 

افتتحت السمينار البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان (مديرة برنامج الدراسات النسويّة)، مرحِّبةً بالحضور، ثمّ قالت: "التطرّق إلى النساء والثورات العربيّة يثير العديد من التساؤلات حول أدوار النساء، وبخاصّة حين الاستماع إلى أصوات النساء المصريّات المشارِكات في الثورة المصريّة، حيث تثير التمعّن في هذه الأصوات على تنوّع القراءات حول دور المرأة. وأضافت: "إنّ تعدُّد الأصوات يشير إلى تعدُّد القراءات والتحليلات لدور المرأة في الثورة. وتتعدّد القراءات لا في الداخل المصريّ وَ/أو العربيّ فحسب، بل كذلك تتعدّد القراءات العالميّة لدور المرأة العربيّة، وقد نجد منها القراءات الثقافويّة والقراءات المتأثّرة بالإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام)، وثمّة قراءات أخرى تنظر إلى الإنسان العربيّ بالدونيّة لكونه "غير غربيّ". فكيف لنا نحن أن نقرأ أنفسنا بتحليلنا للثورات، وكيف نقرأ الجسد العربيّ في الحيّز الجديد السياسيّ؟ وكيف نقرأ النضال النسويّ في الثورات العربيّة؟ وأيّ قراءة نسويّة نستخدم؟ تلك بعض الأسئلة التي تحاول هذه الندوة فتحها وتحاول الإجابة عن بعض منها".

استهلّت د. شيرين صيقلي محاضرتها التي كانت بعنوان "أجساد في الميدان" إذ قالت: "لقد استحوذت ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر على مخيّلة العالم أكثر من أيّ لحظة أخرى. وعلى نحوِ ما حاججت رباب المهدي، إنّ الانبهار الغربيّ بالثوّار المصريّين كان مرتبطًا بصورتها العصريّة، باعتبار أنّ شباب الثورة هم مثلنا، أي إنّهم سلميّون عصريّون وينادون بالإصلاح الليبراليّ، بعيدون عن الإستراتيجيا السياسيّة للجسد بوصفه عبوة ناسفة ولا يرتدون العباءة الإسلاميّة". وأضافت قولها: "كان الجسد المصريّ محوريًّا في سيرورات الثورة، وكان أحد الأسباب الرئيسيّة الذي جعل الثورة المصريّة تستحوذ على المخيّلتين العربيّة والعالميّة بهذا القدر من القوّة".

 

وفي ما يتعلّق بالأجساد في الميدان، قالت د. صيقلي: "لقد كُتب الكثير عن الطرق التي بها جرى توظيف أجساد النساء في الصراعات القوميّة والدينيّة وغيرها، ونواجه اليوم في موضوع الجندر والجسد حاجة ماسّة إلى طرح العديد من الأسئلة حول الجسد: طريقة عرضه وتمثيله وأدائه ومعناه. ووَفق منظور ميدان التحرير، يشكّل الإنتاج الغزير والحاضر على الدوام للجسد المصريّ الذي تمتّع بالانكشاف غير المسبوق بسبب الميديا الاجتماعيّة والفضائيات أحد العوامل التي تجعل هذا النداء ملحًّا".

من خلال عرض صور من أيّام الثورة، تطرّقت د. صيقلي إلى دور الجسد في الثورة المصرية، وتوقّفت صيقلي عند بداية الثورة المصريّة فقالت: "لقد أضحى وجهُ خالد سعيد الوجهَ الذي أشعل الثورة؛ فعلى الرغم من أنّ خالد سعيد لم يكن حالة استثنائيّة، شكّل نقطةَ تحوُّل؛ ومَرَدُّ هذا -في الغالب- إلى انتشار صورته انتشارًا واسعًا في شوارع مصر وعلى شبكة الإنترنت، وإلى أنّ صورته فضحت مدى همجيّة الشرطة والتواطؤ القضائيّ في سبيل صقل فنّ التعذيب في مصر.[….]. لم يكن جسد خالد سعيد الوحيد الذي أدّى دورًا في الثورة المصريّة، بل حملت أجساد أخرى معانيَ الثورة، كجسد مينا دانيال في أحداث ماسبيرو، وكذلك تحوَّلَ أحمد حرارة -الذي فقد البصر في عينيه الاثنتين في الثورة على يد الشنّاوي المعروف بلقب صائد العيون- إلى رمز آخر في الثورة".

 

أمّا عن جسد المرأة في الثورة المصرية، فقالت د. صيقلي: "في الأيّام الثمانية عشر التي تلت خلع مبارك، عاش الكثير من المصريّين مهرجان المضطهدين، وتحوّل الميدان إلى معسكر مقاومة عاش فيه النساء والرجال معًا من جميع الفئات. حينذاك، بدا أنّ أيّام خارطة التحرّش الجنسيّ قد مضت. وقد كانت خارطة التحرّش الجنسيّ مبادرة لمحاولة التحدّي والتصدّي والقضاء على حالة القبول الاجتماعيّ لظاهرة التحرّش الجنسيّ الذي تتعرّض له 80% من النساء المصريّات. لكن على مدى بضعة أيّام في بداية العام 2011، لم يعد التحرّش الجنسيّ سلوكًا دارجًا. لقد تحوّل إلى أمر محظور، وأصبح الجسد موقعًا للأخلاق الثوريّة حتّى بات لمسه أو التعليق عليه أو المساس به عملاً منافيًا للمعايير الثوريّة. مع ذلك، فور عودة الرؤى المتعدّدة بعد الأيّام الثمانية عشرة إلى حيّزها الإلزاميّ في إطار الإجماع الوطنيّ، تحوّل الجسد -وجسد المرأة على وجه الخصوص- من جديد إلى هدف لدى الأصوات اليمينيّة والمعارضة للثورة. ويشهد على هذا التشهير الذي تعرّضت له النساء المصريّات في 8 مارس والاعتداء الجنسيّ الذي مارسه المجلس الأعلى للقوّات المسلحة تجاه 17 امرأة في المتحف المصريّ". بالرغم من هذا، "لقد أَظهَرتْ شَجاعةُ سميرة إبراهيم ورفعها لدعوة (كسبتها لاحقًا) ضد المجلس العسكريّ، والمظاهرةُ النسائيّةُ في الـ 20 من ديسمبر، وصورُ علياء المهدي، بالإضافة الى الصور التي رُسمت على جدران المدينة ومن خلالها أعيد تشكيل صورة المرأة الشابّة بالصدريّة الزرقاء من امرأة مضروبة ومجرورة في ميدان التحرير لتصبح بذلك امرأة خارقة (super woman) تحارب الحكم العسكريّ، أَظهَرتْ أنّ النساء لن يتجاهلن أجسادهنّ بسهولة بوصفه موقعًا للإذلال. ومثلما كسر وجهُ خالد سعيد المعذَّبُ أيّةَ مصداقيّة قد تكون وزارة الداخليّة تمتّعت بها يومًا، كذلك الشأن في حالة المرأة الشابّة بالجينس الأزرق: لقد دَمّرت سمعةَ الجيش".

واختتمت د. صيقلي مداخلتها قائلة: "إنّ حادثةَ المرأة الخارقة (super women)، والمظاهراتِ النسائيّةَ الحاشدةَ التي أعقبت ذلك، وخطابَ المجلس العسكريّ للقوّات المسلّحة، أعادت إنتاج مجموعة من المفردات والادّعاءات القديمة والتي تجعل من طهارة وشرف جسد المرأة مؤشّرًا على صحّة الأمّة على المستوى الأخلاقيّ والاجتماعيّ والسياسيّ. وعليه، في الواقع المصريّ الذي يشهد -من ناحية- المؤتمرَ النسائيَّ الأوّلَ لحزب النور الذي اعتلى منصّتَه مجموعةٌ مؤلَّفة بكاملها من الرجال، ويشهد -من ناحية أخرى- ناشطاتٍ مثل سميرة إبراهيم وعلياء المهدي اللتين كسرتا محظورات عن كلّ ما يقال عن جسد المرأة أو يصنع به، سواء أكان ذلك بخيارها أم بدونه، تبقى الأسئلة حول دَور النساء وأجسادهنّ مفتوحة على جميع الجبهات وربّما بإلحاح أشدّ".

"تؤثّر الأحداث السياسيّة والظروف الاجتماعيّة على حياة النساء ولها إسقاطات عديدة على مبنى العائلة والعلاقات الاجتماعيّة. تحليل العلاقة بين مبنى العائلة والظروف السياسيّة قد يساهم في فهم بعض القضايا الاجتماعيّة مثل السيطرة والرقابة الاجتماعيّة على أجساد النساء" -هذا ما قالته د. إيزيس نصير في مداخلتها "المشرّدون/ات في البيت: الانتماءات الإثنيّة والنوع الاجتماعيّ في المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل" في برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل.

 

بمناسبة صدور كتاب "المشرّدون/ات في البيت: الانتماءات الإثنيّة والنوع الاجتماعيّ في المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل"، الذي صدر عن دار النشر "ساني بريس" عام 2010، وهو من تحرير د. روضة آن كناعنة وَد. ايزيس نصير، استضاف برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل د. إيزيس نصير (محرِّرة شريكة للكتاب ومحاضِرة في العلاقات الدوليّة ودراسات المرأة في جامعة "دينستون" في أوهايو الولايات المتّحدة)، ومنال شلبي (ناشطة وباحثة نسويّة لها فصل في الكتاب بعنوان "سياسات الجنوسة لدى النساء الفلسطينيّات في إسرائيل").

افتتحت اللقاءَ وأدارته السيّدة أريج صبّاغ- خوري (منسقّة مشروع المشاركة السياسيّة في مدى الكرمل) قائلة: "يسرّنا في برنامج الدراسات النسويّة وفي مدى الكرمل الاحتفال بصدور هذا الكتاب الذي يشكّل مرجعًا مهمًّا حول النساء الفلسطينيّات في إسرائيل. وهو من أوائل الأدبيّات الأكاديميّة التي تجمع كاتبات فلسطينيّات من مناطق الـ 48 يكتبن ويبحثن في مواضيع متعلّقة في السياق الاجتماعيّ الاقتصاديّ الخاصّ بهنّ. ويأتي هذا الإصدار -إلى جانب أدبيّات أخرى، بعضها من إصدار برنامج الدراسات النسويّة- ليملأ فراغًا دام طويلاً في الأدبيّات الأكاديميّة حول النساء الفلسطينيّات في إسرائيل، ولا سيّما مراجع باللغة الإنكليزيّة".

 

في بداية مداخلتها، تناولت د. إيزيس نصير فكرة الإصدار وطريقة العمل التي رافقت إصداره وقالت: "أهمّـيّة هذا الكتاب تتعدّى كونه متعدّد الأبعاد مركَّبًا ومتنوّع المواضيع، حيث تتراوح مواضيع الكتاب ما بين المهجّرين في الداخل والذاكرة التاريخيّة، وصولاً إلى جنسانيّة المرأة وإمكانيّات المقاومة الكامنة في ثقافة الهيب هوب بين الشبيبة الفلسطينيّة. بل عملنا كذلك على أنْ تحمل طريقة العمل عليه فكرًا وممارسةً نسويَّيْن، تضمن مشاركة الكاتبات في معظم مراحل تحضير الكتاب، واتّبعنا حساسية جندريّة خاصّة تجاه لغة والمضامين". وأضافت" يشمل الكتاب أربعة محاور مركزيّة: الدولة والإثنيّة؛ الذاكرة والتاريخ الشفويّ؛ جندرة الحيّز والجسد؛ الهجرة والتهجير. وحاولنا من خلال فصول الكتاب المختلفة تضمين التحليل النسويّ وتحدّي الاستقطاب الذي يحكم الكثير من الأبحاث التي تتناول مكانة النساء. فعلى سبيل المثال، كيف تتأثّر العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة وقضايا اجتماعيّة قد تُعتبر مهمَّشة عندما نقوم بربطها مع القضايا السياسيّة، أو ما هي العلاقة بين الخاصّ والعامّ والسياسيّ والاجتماعيّ وكيف نتناول التاريخ بعلاقته مع الحياة الخاصّة؟ وكيف تتقاطع الاهتمامات المحلّـيّة والوطنيّة والعالميّة وتشكّل حَيَواتنا اليوميّة. إنّ ما يميّز الكتاب هو التوازن اللطيف الذي تحافظ عليه فصول هذا الكتاب في ما بينها، فمن ناحية، تقوم فصول الكتاب بتحليل المظاهر القمعيّة والقسريّة والرمزيّة للدولة، ومن ناحية أخرى، تتناول الفلسطينيّين كمجموعة متنوّعة وخلاّقة ونشطة وقادرة على وضع الإستراتيجيات".

في تطرّقها إلى الفصل الذي ساهمت د. نصير في كتابته قالت: "بدأت دراستي عام 1998، عندها كانت دولة إسرائيل تحتفل بمرور خمسين عامًا على استقلالها، وكان الفلسطينيّون يُحْيون الذكرى الخمسين لنكبتهم. وحاولت من خلال هذه الدراسة فهم تأثير الأحداث السياسيّة الاجتماعيّة والاقتصاديّة المختلفة على ثلاثة أجيال من النساء الفلسطينيّات، استنادًا إلى تجربتهنّ. كذلك حاولت، من خلال هذه الدراسة، تحليل العلاقة بين الأوضاع الاجتماعيّة والسياسيّة على الحيّز الخاصّ وبنْية العائلة والسيطرة على جسد المرأة".

 

المداخلة الثانية كانت للباحثة والناشطة النسويّة منال شلبي تطرّقت فيها إلى المفهوم الاجتماعيّ والسياسيّ لجنسانيّة النساء الفلسطينيّات في إسرائيل، وقالت: "غالبًا تُهمَّش قضيّة جنسانيّة المرأة لصالح القضايا السياسيّة والاجتماعيّة، وهذا على الرغم من أهمّـيّة هذه القضيّة وإسقاطاتها المهمّة على جوانب متعدّدة في حياة النساء". وأضافت: "حاولت من خلال هذه الدراسة الإجابة عن عدّة أسئلة، من ضمنها: ما هو مفهوم ومواقف النساء تجاه جنسانيّتهنّ؟ كيف في الإمكان أن نفهم تعاطف النسويّات مع مجتمع يصفنه -في المعتاد- بأنّه مجتمع قامع؟ علاوة على ذلك، تحاول الدراسة أن تفهم: كيف تحظى العديد من النساء الناشطات بالاحترام والتقدير على الرغم من تحدّيهنّ للمفاهيم التقليديّة للجنسانيّة في المجتمع؟ وهل النساء الفلسطينيّات مقموعات جنسيًّا، أم متحرّرات؟ وكيف يجري التعامل مع الدلالات القيميّة للمصطلح"؟

وفي إشارة إلى أبرز النتائج، قالت شلبي: "معظم النساء، بصرف النظر عن درجة الثقافة والانتماء الدينيّ أو الطبقيّ، لم يفهمن المصطلح "الجنسانيّة"، ولم ينجحن في الإجابة عمّا تعنيه الجنسانيّة في حياتهنّ. مع هذا، يُستدَلّ من النتائج أنّ معظمهنّ استعملن دلالات سلبيّة للتعبير عن الجنسانيّة، نحو: القمع؛ التقاليد؛ وعدم الشرعيّة؛ الخوف؛ الألم؛ الكراهية. وفي تطرُّقهنّ إلى علاقتهنّ مع الجسد، طغت كذلك الصفات السلبيّة على هذا الموضوع، وغالبيّتهنّ عبّروا عن تجربة سلبيّة مع أجسادهنّ ارتبطت بالاشمئزاز والخطر والغربة. وتنعكس هذه العلاقة مع أجسادهنّ في علاقتهنّ مع المرآة، حيث عبّرت معظم المشارِكات في البحث عن ابتعادهنّ عن المرآة، ولاسيّما في سنّ المراهقة. فضلاً عن هذا، لم تستخدم معظم النساء اللغةَ العربيّة لوصف العلاقات الحميميّة، بل وصفت معظم النساء هذه القضايا مستعمِلات اللغة العبريّة أو الإنكليزيّة". وأضافت شلبي: "على الرغم من هذا الواقع، تشير نتائج الدراسة إلى أنّ النساء لا يخضعن تمامًا للقمع المجتمعيّ المفروض في مجال الجنسانيّة، وفي كثير من الأحيان تجد النساء وسائلَ وطُرُقًا بديلة لتناور البنى الاجتماعيّة القامعة وتستخدم حنكة اجتماعيّة تحاول من خلالها التغيير في النظام لا تغيير النظام".

 

في نهاية اللقاء، دار نقاش بين الحضور والمحاضِرات تمحور بدايةً في أهمّـيّة الدراسات التي تتناول واقع النساء الفلسطينيّات، ولا سيّما تلك التي تقوم بها باحثات نسويّات فلسطينيّات والتي تجمع بين السياق السياسيّ والاجتماعيّ والجندريّ. فضلاً عن هذا، تطرّق النقاش إلى المعيقات التي تواجه الباحثات الفلسطينيّات في الأكاديميا الإسرائيليّة؛ فمن ناحية، في كثير من الحالات، يتطلّب منهنّ إجراءُ الأبحاث في الجامعات الإسرائيليّة وتحدّي التوجّهات الاستشراقيّة التي تحاول الأكاديميا الإسرائيليّة فرْضَها على الباحثات أنفسهنّ. ومن ناحية أخرى، يتطلّب منهنّ إجراءُ الأبحاث في اللغة العبريّة حساسيةً ثقافيّة لغويّة وسياسيّة عند تحويل مضمون المقابلات التي أجرينها للبحث من اللغة العربيّة إلى اللغة العبريّة.

"إلى جانب كون الاعتداء الجنسيّ حدثًا صادمًا وله الكثير من التأثيرات النفسيّة والسلوكيّة على الضحيّة؛ حيث يمثّل لمعظم الضحايا فقدانَ الحياة، وفقدانَ الحبّ والأمان، ويسبّب للضحايا المعاناة العائليّة والمجتمعيّة -إذ تعاني النساء (في الأغلب) من تلويم الأهل والمجتمع-، إضافة إلى كلّ هذه المعاناة، تعاني النساء الفلسطينيّات كذلك من سلسلة خسائر أخرى لدى التقائهنّ مع جهاز الضبط الاجتماعيّ والقضائيّ" – هذا بعض ما جاء في سمينار "ضحيّة مزدوجة: النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ"، الذي عقده برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل (المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة) بمناسبة اليوم العالميّ لمكافحة العنف ضدّ النساء.

 

افتتحت اللقاء وأدارته همّت زعبي، مركّزة برنامج الدراسات النسويّة، وقالت بعد الترحيب بالحضور: "على الرغم من مرور أكثر من عَقد على إعلان اليوم العالميّ لمكافحة العنف ضدّ النساء، وعلى الرغم من النشاط النسويّ في المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل في قضايا الاعتداءات الجنسيّة من خلال العمل على رفع الوعي للعنف الجنسيّ واقتراح طرق تدخُّل وعلاج للضحايا، فإنّ الإحصائيّات التي تقوم بجمعها وتوثيقها جمعيّات نسويّة فلسطينيّة مختصّة في المجال تشير إلى خطورة الظاهرة، ولا سيّما في ما يتعلّق بعدم الثقة بين ضحايا العنف الجنسيّ والشرطة؛ إذ تشير إحصائيّات جمعيّة "السوار" – الحركة النسويّة العربيّة لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسيّة- إلى أنّ نسبة ضئيلة من ضحايا العنف الجنسيّ المتوجّهات إلى خطّ الطوارئ في الجمعيّة تتقدّم بشكوى إلى الشرطة، ممّا يثير العديد من التساؤلات التي سيحاول اللقاء اليوم الإجابة عنها من خلال عرض نتائج دراسات جديدة في المجال".

في مستهلّ مداخلة السيّدة سائدة مقاري-ريناوي (اختصاصيّة اجتماعيّة، ومديرة وحدة معالجة العنف في العائلة مكتب الشؤون الاجتماعيّة في الرينة) التي تستند إلى أطروحة اللقب الثاني التي قدّمتها مقاري-ريناوي في قسم الخدمة الاجتماعيّة في الجامعة العبريّة، أشادت بأهمّـيّة السمينار الذي يتناول إحدى القضايا المهمّة التي تعاني منها النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ، مشيرة إلى أنّ نتائج دراستها تؤكّد أنّ النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ يواجهن العديد من الصعوبات عند التقائهنّ بالجهاز القضائيّ الإسرائيليّ عامّة، وبالشرطة الإسرائيليّة على وجه الخصوص. وقالت: "إلى جانب كون الاعتداء الجنسيّ حدثًا صادمًا وله الكثير من التأثيرات النفسيّة والسلوكيّة على الضحيّة؛ حيث يمثّل لمعظم الضحايا فقدانَ الحياة، وفقدانَ الحبّ والأمان، ويسبّب للضحايا المعاناةَ العائليّة والمجتمعيّة، إذ تعاني النساء في الأغلب من تلويم الأهل والمجتمع؛ إضافة إلى كلّ هذه المعاناة، تعاني النساء الفلسطينيّات كذلك من سلسلة خسائر أخرى لدى التقائهنّ بالشرطة"، إذ تُعزِّز نتائج البحث الذي قامت به السيّدة مقاري-ريناوي غالبيّةَ نتائج الأبحاث التي أجريت في أرجاء العالم، والتي قامت بفحص تجارب ضحايا الاعتداءات الجنسيّة من بنات الأقلّـيّات عند لقائهنّ للشرطة، بدءًا من إضفاء صبغة "الاعتياديّ" على الاعتداء، وصولاً إلى التقليل من شأن الاعتداء، وغياب التقبّل والتفهّم، وفجوات اللغة، والتمييز. وفي هذا السياق تقول مقاري-ريناوي إنّ دراستها تكشف النقاب عن "أنّ الجهاز القضائيّ في إسرائيل يتدخّل في قضايا العنف الجنسيّ في المجتمع الفلسطينيّ على نحوٍ مبنيّ على آراء مسبقة ولا تناسب سلّة الخدمات التي يقدّمها الجهاز احتياجات الضحايا، فضلاً عن انعدام وجود أدوات لقياس الخطر الذي قد تواجهه الضحيّة، فـتـبـقـى دون حماية. من هنا، بينما تصف الأبحاث العالمية تجربة ضحايا العنف الجنسيّ مع الشرطة بأنّها تجربة تشبه "الاغتصاب المجدّد"، تشير نتائج دراستي هذه إلى أنّ لقاء النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ مع جهاز القضائي تُدخِل الضحيّة في "دائرة اغتصاب" ممّا يزيد من معاناتها، وهكذا تضاف يد الشرطة إلى الأيدي التي تحاول إخراس الضحيّة".

 

المداخلة الثانية كانت للسيّدة عنان أبو صالح (اختصاصيّة اجتماعيّة، ومديرة إقليميّة لبرنامج "فتيات وأولاد في ضائقة" في قرى الشاغور). استندت المداخلة إلى رسالة الدكتوارة التي تعمل عليها أبو صالح في قسم الخدمة الاجتماعيّة في الجامعة العبريّة، والتي حملت العنوان "الفتيات الفلسطينيّات، العنف الجنسيّ ومراكز مساعدة الفتيات"، فتركزّت في فهم وتحليل العلاقة بين السياق السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ لضحايا الاعتداءات الجنسيّة الفلسطينيّات واختيار طرق العلاج حسب وجهة نظر المهنيّين. وقالت أبو صالح في مستهلّ مداخلتها: "موقع النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ، وكونهنّ أقلّـيّة وطن، يضعانهن في أربع دوائر قمع: الأولى نتيجة كونها امراة؛ الثانية انتماؤها إلى مجتمع ذكوريّ؛ الثالثة كونها أقلّـيّة سياسيّة في دولة محتلّة وعنيفة؛ الرابعة كونها ضحيّة اعتداء جنسيّ". وأضافت: "تجتمع هذه الدوائر لتزيد من معاناة الضحيّة؛ فمن ناحية المجتمع، تعاني الضحيّة -وفي بعض الأحيان عائلتها- من وصمة عار يُلْصِقها بها المجتمع. أمّا من الناحية السياسيّة، فشعور الاغتراب بين الضحيّة والمؤسّسة –فضلاً عن التمييز في طرق العلاج والخدمات التي تقدّمها المؤسّسات المختلفة- يزيد من معاناة لضحيّة". أمّا في ما يتعلّق بالمهنيّين، فأضافت أبو صالح قائلةً: "التعقيدات التي تواجه ضحايا العنف الجنسيّ تنعكس كذلك على المهنيّين؛ فمن ناحية، يعاني المهنيّون هم كذلك من قلّة ثقة الضحيّة بهم لكونهم يعملون في مؤسّسات إسرائيليّة. ومن ناحية أخرى،ّ يواجهون صعوبات حقيقيّة تنبع من شُحّ الموارد المخصّصة لهم للعلاج".

في أعقاب المداخلتين، قامت السيّدة حنين إلياس (وهي عاملة اجتماعيّة وتدرّس في قسم الخدمة الاجتماعيّة في كلّـيّة صفد، وتدرس للحصول على درجة الدكتوراة في موضوع العمل الاجتماعيّ في الجامعة العبريّة في القدس في مجال الاعتداءات الجنسيّة) بالتعقيب على المداخلتين، مشيرة إلى أهمّـيّة الدراستين في إلقاء الضوء على قضيّة بالغة الأهمّيّة للنساء في مجتمعنا قلّما بُحثت، ولا سيّما أنّ الدراستين تقومان برفع وإيصال صوت الضحيّة. وأضافت قولها: "أرى من المهمّ والضروريّ، عند الحديث عن الاعتداءات الجنسيّة، التمييز بين أنواع الاعتداءات الجنسيّة: التحرّش الكلاميّ؛ التحرّش الجسديّ؛ الاعتداء؛ الاغتصاب. وليس ذلك من قَبيل التمييز بين حدّتها وصعوبتها، بل من قَبيل التعمّق في كلّ منها لبناء خطّة تَعامُل وعلاج تتناسب مع كلّ منها. كما أرى من الضروريّ، ابتغاءَ معالجة هذه الظاهرة ومحاولة الحدّ منها، أن نقوم كذلك بدراسة الظاهرة من جميع جوانبها، ويشمل ذلك المعتدين ومرتكبي هذه الجرائم حتّى نتمكّن من بناء برامج توعية وعلاج مناسبة وناجعة".
بعد التعقيب، دار نقاش بين الحضور والمحاضِرات تمحْوَرَ –في الأساس- حول المعضلات التي تواجه المهنيّين في مرافقة النساء ضحايا العنف الجنسيّ في المجتمع الفلسطينيّ، ولا سيّما المعضلة التي تتعلّق بتوجيه الضحيّة إلى المسار القضائيّ بصورة عامّة، وتقديم شكوى إلى الشرطة على وجه الخصوص، وذلك على ضوء ما جاء في نتائج الدراستين. 

"المعلّمات الفلسطينيّات في دولة إسرائيل واعيات للقيود وللمعيقات الاجتماعيّة والسياسيّة التي قد تمنعهنّ من التحدّي المباشر للقوى المهيمنة والقامعة. مع هذا، إنّ القراءة المعمّقة في قصص حياة المعلّمات العربيّات تشير إلى أنّهنّ لا يخضعن خضوعًا تامًّا لهذه القوى، بل ينجحن في إيجاد مساحات يقمن من خلالها ببناء خطاب بديل يحاول زعزعة هذه البنى وخلخلتها" -هذا ما قالته سلفيا سابا سعدي في سمينار برنامج الدراسات النسويّة.

 

في إطار سمينار الدراسات النسويّة، استضاف برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل د. سلفيا سابا سعدي في محاضرة حول "الخطابات الاجتماعيّة- السياسيّة في قصص حياة معلّمات فلسطينيّات في إسرائيل". وتشكِّل المداخلة جزءًا من رسالة الدكتوراه التي حصلت عليها من جامعة بن غوريون.
استهلت اللقاء البروفسورة نادرة شلهوب – كيفوركيان (مديرة برنامج الدراسات النسويّة في المركز)، مرحِّبةً بالحضور ومشدّدة على أهمّـيّة موضوع السمينار ولا سيّما تناوله لقضيّة التعليم قائلة: "التعليم كان ولا زال آليّة للسيطرة والقمع ومراقبة وتغيير أنماط التفكير. إنّ السياسات التي تُنتهج في هذا المجال تؤثّر بالغَ تأثيرٍ على المجتمعات عمومًا، وعلى الأقلّـيّات وأقلّـيّات الوطن (كالفلسطينيّين في إسرائيل) على وجه الخصوص".

"تجربتي كامرأة وكمعلّمة فلسطينيّة في دولة إسرائيل لطالما أثارت لديّ أسئلة حول كيفيّة تعامل المعلّمات العربيّات مع واقع مركّب ينطوي أحيانًا على بعض التناقضات" -هذه ما قالته د. سابا- سعدي في افتتاحيّة محاضرتها، وأضافت: "أحد أهداف هذه الدراسة يتعلّق باستكشاف ماهيّة التجربة الذاتيّة للمعلّمات العربيّات في مختلف مجالات حياتهنّ الشخصيّة المهنيّة والاجتماعيّة آخذة بعين الاعتبار واقع حياتهنّ كنساء يعشن ويعملن في إطار متعدّد الأنظمة الأبويّة المتمثّلة -مثلاً- في مؤسّسة العائلة والمجتمع والمدرسة والكلّـيّة وغيرها. كذلك حاولت هذه الدراسة أيضًا كشف الدلالة أو الدلالات التي تنسبها المعلّمات العربيّات إلى عملهنّ كمعلّمات في دولة إسرائيل. من خلال البحث، حاولت استكشاف الإستراتيجيات التي تستخدمها المعلّمات للتعامل مع ما يخلقه عملهنّ من تناقضات على الصُّعُد الشخصيّ والسياسيّ والاجتماعيّ. كما حاولت كشف كيفيّة تأثُّر المعلّمات بمهنة التربية والتعليم، التي تتطلّب فحصًا ذاتيًّا كما تتطلّب مبادَرةً. علاوة على ذلك، حاولت هذه الدراسة تناول طرق تعامل وتأثُّر المعلّمات بالاستقلاليّة المادّيّة التي توفّرها هذه المهنة. وبالطبع حاولت كذلك فحص كيفيّة تأثير هذه العوامل الواردة أعلاه على قراءة النساء لواقعهنّ الاجتماعيّ والسياسيّ، وكيفيّة تأثيرها على قدرتهنّ على التغيير الاجتماعيّ السياسيّ وعلى استعدادهنّ لتحدّي الأنظمة الأبويّة والسياسيّة القائمة".
وفي إشارة إلى أبرز نتائج الدراسة، أشارت سابا-سعدي إلى أنّ هناك تباينًا بين المعلّمات اللاتي شاركن في الدراسة، وبعكس ما تشير إليه الدراسات الإسرائيليّة، ينبع التباين من السياقات البنيويّة والشخصيّة وليس على أساس الانتماءات الطائفيّة أو الجغرافيّة (قرية/ مدينة). وأضافت قائلة: "إنّ التباين بين المعلّمات ناتج عن متغيّرات بنيويّة متفرّقة، ونتيجة تفاعل بين عدّة متغيّرات، كالنوع الإجتماعيّ، والطبقة الاجتماعيّة، والمكانة الاجتماعيّة السياسيّة، والتاريخ الشخصيّ للمرأة، والوضع المهنيّ، والوظيفة، والأقدمية، والفترة التي خدمت فيها، ودَوْر المرأة الاجتماعيّ في تلك الفترة، وفرص العمل، وتجارب المعلّمة الذاتيّة، وعائلتها -بالإضافة إلى اعتبارات طائفيّة".

 

إلى جانب هذه التباينات، تشير نتائج الدراسة كذلك إلى قواسم مشتركة بين المعلّمات تتلخّص في ثلاثة مجالات: المجال الأوّل يتعلّق بأنّ معظم المشارِكات توجّهن إلى مهنة التدريس من منطلق الانجراف القسريّ، لا من خيار حرّ. رغم هذا، في ما بعد -لانخراطهنّ في المهنة- رأت معظمهنّ هذه المهنةَ رسالةً وطنيّة أو/وَ دينيّة أو/وَ اجتماعيّة. أمّا العامل الثاني المشترك، فيتعلّق بأنّ جميع المشارِكات رأين أنّ عملهنّ في مهنة التدريس ينبغي أن يتركّز في تحسين قدرات الطلاّب وفي تعزيز التسامح بين الطوائف. اهتمام المعلّمات بالقضايا المحلّـيّة والاحتراس من تحدّي القيم الاجتماعيّة السائدة والقضايا السياسيّة يشكّل العامل الثالث المشترك لمعظم المشارِكات في الدراسة. وتضيف سعدي قائلة: "المعلّمات الفلسطينيّات في دولة إسرائيل واعيات للقيود وللمعيقات الاجتماعيّة والسياسيّة التي قد تمنعهنّ من التحدّي المباشر للقوى المهيمنة والقامعة. مع هذا، إنّ القراءة المعمّقة في قصص حياة المعلّمات العربيّات تشير إلى أنّهنّ لا يخضعن خضوعًا تامًّا لهذه القوى، بل ينجحن في إيجاد مساحات يقمن من خلالها ببناء خطاب بديل يحاول زعزعة هذه البنى وخلخلتها".

"تحمل هذه الدراسة الكثير من التجديدات، أهمّها يتعلّق باختيار الموضوع نفسه، إذ تقوم الدراسة بإسماع صوت المعلّمات العربيّات اللواتي يشكّلن نسبة عالية من النساء العاملات في المجتمع الفلسطينيّ، فتحاول الدراسة من خلال تجربتهنّ فهم مكانتهنّ الاجتماعيّة والسياسيّة" -هذا ما قالته د. ماري توتري (رئيسة قسم المدنيّات في كليّة أورانيم، ومحاضِرة في جامعة حيفا) في تعقيبها على مداخلة سابا-سعدي. وأضافت قولها: "الأدبيّات الأكاديميّة النقديّة التي جرى بحسبها تحليل نتائج هذه الدراسة المهمّة تشكّل إحدى نقاط القوّة في الدراسة، وبخاصّة تلك التي تتطرّق إلى تحدّي الهيمنة. وقد تحدّت الدراسة بمنهجيّتها الأبحاثَ الإسرائيلية التي تتعامل مع المجتمع الفلسطينيّ كمجموعة طوائف، وأكّدت أنّ التباين والاختلاف بين المعلّمات يحتكمان إلى تفاعل بين بِنًى اجتماعيّة مختلفة".

 

وفي نهاية اللقاء، شكرت البروفسورة شلهوب كيفوركيان المداخلات القيمّة والنقاش الغنيّ مع الحضور، وقالت إنّ قوّة وأهمّيّة هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي تجريها باحثات فلسطينيّات تكمنان في أنّها تقوم بالربط بين هيكيليّات القمع المختلفة مع تجارب النساء ومجالات حياتها المختلفة. كما أكّدت أنّ برنامج الدراسات النسويّة سيستمرّ في استضافة دراسات جديدة تهتمّ بقضايا النساء الفلسطينيّات في إسرائيل.

افتتح برنامج الدراسات النسويّة سميناره السنويّ للعام 2011-2012 بسمينار قراءة في كتاب "النساء الفلسطينيّات: سرديّات تاريخيّة وذاكرة مجندرة" (وهو للدكتورة فاطمة قاسم؛ وقد صدر عن دار "زيد بوكس" البريطانية عام 2011).

 

افتتحت اللقاء همّت زعبي، مركّزة وباحثة في برنامج الدراسات النسويّة، مرحّبةً بالحضور وقائلة: "يسرّنا في برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل افتتاح برنامجنا السنويّ بلقاء احتفاليّ نقوم من خلاله بالاحتفال بكتاب جديد حول النساء الفلسطينيّات لد. فاطمة قاسم التي إلى جانب كونها أكاديميّة فلسطينيّة باحثة مستقلّة ومحاضرة تعمل في عدّة كلّـيّات هي كذلك عضو في اللجنة الأكاديميّة للبرنامج. ومَرَدُّ أهمّـيّة هذا اللقاء –على وجه الخصوص- إلى أهمّـيّة الكتاب، الذي يعتمد –في أساس ما يَعتمد- على أطروحة دكتوراه، والذي يوثّق ذاكرة النساء من مدينتَي اللدّ والرملة، ويبيّن وجهة نظر النساء الفلسطينيّات المهمَّشات في المجتمع الإسرائيليّ تجاه أحداث 1948".

وأضافت زعبي أنّ السنوات العشر الأخيرة تشهد تزايدًا في الدراسات التي تتناول المرأة الفلسطينيّة في المجتمع الفلسطينيّ من وجهة نظر فلسطينيّة نسويّة نقديّة. ويندرج هذا الكتاب ضمن مجهود العديد من الباحثات الفلسطينيّات اللواتي يحاولن من خلال دراسات نسويّة نقديّة تحدِّيَ الأدبيّات الاستشراقيّة النمطيّة التي تميّز الأكاديميا الإسرائيليّة. كذلك أشارت زعبي إلى أنّ هذا اللقاء هو جزء من سلسلة لقاءات ينوي برنامج الدراسات النسويّة عقدها هذه العام، تتمحور وتستعرض دراسات وكتبًا جديدة صدرت عن النساء الفلسطينيّات.

 

تؤكّد د. منار حسن، محاضِرة في جامعة بار إيلان وفي كلّـيّة صفد؛ وهي كذلك عضو في اللجنة الأكاديميّة لبرنامج الدراسات النسويّة، على أهمّـيّة السمينار، وعلى أهمّـيّة الكتاب، فتقول في مداخلتها: "يشكّل هذا الكتاب مساهمة مهمّة وضروريّة في تأريخ الرواية الفلسطينيّة؛ إذ يقوم الكتاب –على نحو ما كتب الروائيّ عبد الرحمن منيف- بكتابة تاريخ مَن لا تاريخ لهنّ". وتضيف قائلةً: "إنّ الكتاب نجح في ألاّ يروي تاريخ المهزومين، كما جاء في مقدّمته، كما أنّه لا ينتمي إلى كتب التاريخ حبيسة المعايير الأكاديميّة التي لا يهمّها إنتاج معرفة جديدة، بل جاء ليساهم في إنتاج معرفة جديدة من خلالها يقوم بإسماع أصوات النساء التي أُخرِست طويلاً، ويعيد لهنّ اعتبارهنّ كذوات تاريخيّة فاعلة مشاركات في فعل التاريخ وفي حفظه ونقله للأجيال القادمة".

كما تطرّقت حسن في مراجعتها للكتاب إلى فصولة المتعدّدة متوقّفةً عند ثلاثة محاور مركزيّة ترى فيها أهمّـيّة خاصّة: اللغة؛ الجسد؛ البيت. وقالت حسن حول موضوع اللغة: "تكشف الباحثة خلال تحليل الشيفرات اللغويّة في سرد النساء أنّ دلالات اللغة تشير إلى أنّ النساء حافظن على علاقات القوى التراتبيّة داخل العائلة، ولكن في ذات الوقت تعكس محاولات لخلخلة هذه العلاقات، وكذلك تحمل اللغة التي استعملتها النساءُ في طيّاتها ضمنًا وعلنًا مواقع مقاومة عديدة".

 

استهلّت د. فاطمة قاسم مداخلتها بالتشديد على أهمّـيّة اللغة وتحليل دلالاتها وتقول "لم يكن اختيار العنوان "نساء فلسطينيّات" من قبيل المصادفة، وإنّما على العكس، كما لم يكن من قبيل المصادفة اختياري للتعبير "صَهْيَنَة المدن الفلسطينيّة" لا "تهويد المدن الفلسطينيّة". اللغة تعبّر عن واقع معيّن، لكنّها -في ذات الوقت- تخلق واقعًا آخر وتشكّل نوعًا من أنواع المقاومة". وأضافت قائلة: "للمقاومة أشكال مختلفة ومتعدّدة، من أهمّها مقاومة على وعينا لمفهوم قضايانا ومفهوم القضية الفلسطينيّة وصراعها مع الحركة الصهيونيّة".

يحمل الكتاب، وَفق ما تقول قاسم، توجُّهًا نسويًّا بمفهومه الواسع، لا لمجرّد كونه يتحدث عن النساء، بل لكونه يُسْمِع صوت المهمَّشين والمهمَّشات. وحول أهمّـيّة الكتابة من خلال سرديّات النساء وتحليل سِيَرهنّ الذاتيّة، أضافت قاسم تقول: "القضيّة هي قضيّة سياسيّة وحقّ وجود، وأنّ على المرأة الفلسطينيّة أن تنتزع حقّها المسلوب. حقّها في أن تسرد تاريخها وأن يكون لهذا التاريخ مكانة داخل مجتمعها". كذلك تطرّقت د. قاسم في مداخلتها إلى بعض الصعوبات التي واجهتها في كتابة الأطروحة، ولا سيّما الصعوبات التي واجهتها في الجامعة الإسرائيليّة، إذ قالت: "لقد كان صمود النساء ومقاومتهنّ مصدر قوّة لي كباحثة".

استضاف برنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل مجموعة من النسويات الأصلانيات من العالم الثالث في زيارة لهن لفلسطين. يذكر أن البعثة تزور فلسطين بهدف التضامن مع الشعب الفلسطيني، وستعمل على الالتقاء مع فلسطينيين وفلسطينيات للتعلم عن واقع الحياة، ولنقل رسالة إلى العالم حول ضرورة النضال من أجل عدالة غير مجزأة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

 

وقد شملت البعثة مجموعة من الباحثات النسويّات المهمات في الحقل الأكاديمي، مثل الباحثة الهندية شاندرا تالبيد موهانتي والباحثة والناشطة السياسية بربارا رانسبي، التي عاصرت وشاركت بشكل فعال نضال السود في الولايات المتحدة. كما شاركت في المجموعة المفكرة أنجيلا ديفس التي تعد أبرز ناشطة وأستاذة جامعية دافعت عن حقوق السود وعرفتها السجون الأمريكية بتهم ملفقة.

افتتحت اللقاء السيدة همّت زعبي، مركزة برنامج الدراسات النسوية وباحثة في مدى الكرمل، حيث رحبت بعضوات البعثة وشكرتهن على حضورهم إلى فلسطين، وشكرت بشكل خاص رباب عبد الهادي، البروفيسورة المشاركة في الدراسات العرقية ودراسات العرق والمقاومة والأستاذة المتخصصة في دراسات الجاليات العربية والمسلمة في جامعة سان فرانسيسكو على المبادرة والمجهود الذي وضعته في إحضار هذه البعثة الي فلسطين بشكل عام، وإلى برنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل بشكل خاص.

 

وأضافت "يحمل هذا اللقاء الكثير من المعاني، وخاصة لتقاطعه مع أهداف برنامج الدراسات النسويّة الذي يعمل على دفع مكانة المرأة الفلسطينية من خلال إجراء أبحاث نقدية تقاوم التوجهات الإسرائيلية الاستشراقية والكولونيالية؛ أبحاث تعمل على الكشف عن آليات القمع والدور الذي تلعبه الدولة كدولة صهيونية استعمارية فيترسيخ واقع المرأه المتدنّي. ولأن اللقاء يتلاءم مع أهداف البرنامج الذي يسعى إلى تطوير وإقامة علاقات بين الباحثات الفلسطينيات في الداخل ومع باحثات وناشطات من دول الجنوب".

من جهتها عرفت بروفيسور عبد الهادي أهداف البعثة وقالت "جاءت هذه البعثة إلى فلسطين من "أميركا الأخرى"، غير تلك المهيمنة الرأسمالية والمسيطرة، وهي مجموعة من باحثات وناشطات مهمات كل في مجالها تنتمي إلى شعوب أصلانية ومجموعات مهمشة وإلى أقليات؛ مجموعة تبحث عن العدل غير المجزأ. حضرت إلى فلسطين تحمل رسالة تضامن وتحاول من خلال الزيارة أن تعيش وتفهم للعمق الواقع الفلسطيني، لتقوم في نهاية اللقاء بكتابة ورقة موقف حول العدالة في فلسطين، مشددة على العدالة لفلسطينيي الـ 48 وتدعو فيه العالم الانضمام إلى حملة المقاطعة".

 

حضر اللقاء العديد من الناشطات والأكاديميات الفلسطينيات من مناطق الـ 48 وتناولن العديد من القضايا، من أهمها واقع النساء الفلسطينيات، وتأثير السياسيات الكولونيالية الصهيونية على مجالات حياتهن المختلفة. وفي نهاية اللقاء أكدت الباحثة همّت زعبي على أهمية هذه اللقاءات وعلى ضرورة ايصال معاناة النساء الفلسطينيات للعالم وخاصة على ضوء تغييب هذا الجزء من الشعب الفلسطيني من الرأي العام.

تستعمل الدولة (إسرائيل) العديد من الأدوات "النظيفة" بهدف السيطرة على البيت الفلسطيني في يافا ولحرمان سكانه الأصلانيين منه، كما توّف الدولة أدوات الحداثة، مثل فرض تصاميم معينة على ترميم البيوت الفلسطينية تكون باهظة الثمن، بهدف التضييق على سكان يافا والاستيلاء على الحيز. وأنا أبحث هنا في هوية النساء الفلسطينيات في الحيز اليافاوي. وأدعي أنه لا يمكن فهم الجغرافية في "المدن المختلطة"خارج السياق السياسي وخارج سياسات العنف السياسي للدولة، هذا بعض ما جاء في محاضرة السيدة آمنه عثامنة، الباحثة النسوية في سياسات الحيّز، في الندوة التي عقدها برنامج الدراسات النسوية في مدى الكرمل. وقد كانت هذه الندوة الأولى حول "النساء الفلسطينيات في يافا"، وسوف تعقد الندوة الثانية في مدينة يافا، في السادس عشر من الشهر الحالي، تحت عنوان "خلق حيزات بديلة" .

افتتحت الندوة السيدة همت زعبي، منسقة برنامج الدراسات النسوية في مدى، مشيرة إلى أن هذه الندوة تعقد بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد النساء، وأنها جزء من مساهمات برنامج الدراسات النسويّة في تسليط الضوء على مواضيع تتعلق بالعنف ضد النساء من مجالات لا يتم الحديث عنها كثيرا، مثل سياسات سلب الأرض؛ هدم البيوت والشتات، والتي تشكل أدوات للعنف السياسي والاجتماعي والاقتصادي ضد الفلسطينيات. وقالت أنه تم اختيار يافا لفحص وضعية النساء الفلسطينيات في "المدن المختلطة" من جوانبها المتعددة، وكونها تشكل احد مواقع دراسة يعمل عليها البرنامج تهدف لفهم معمّق للمكانة الاقتصادية للنساء الفلسطينيات في إسرائيل.

في البداية قدمت د. نادرة شلهوب-كيفوركيان، مديرة برنامج الدراسات النسوية في مدى، مداخلة عنوانها "الوطن كمنفى: سلب الأرض والشتات الفلسطيني كأداة عنف ضد النساء". وقالت: "تحاول هذه المداخلة فهم البنية التي أنتجت الوطن كمنفى والعناصر التي شكلتها، ومسارات تفاعلها وحراكها في الواقع الفلسطيني داخل أراضي 1948." كما أشارت إلى أن مداخلتها بنيت من خلال تجربة الفقدان، الصدمة، الشتات، الإلغاء والمؤقت. وقالت د. شلهوب أن استهداف الوطن الفلسطيني في محاولة تحويله إلى منفى أنتج سيكولوجية التحسب والترقب إزاء التهديد الدائم بفقدان المكان؛ ورغم استهداف الوطن، المكان والبيت، إلا أن المكان قد تحول إلى مصدر لمقاومة الإماتة ولمنع إلغاء الإنسان الفلسطيني بأدوات قانونية واقتصادية.

ثم تحدثت السيدة أمنة عثامنة واستعرضت أطروحتها حول هوية المرأة الفلسطينية في الحيز اليافاوي، مستخدمة الحدود كأداة تحليلية. وقالت أنها اختارت البيت الفلسطيني كنقطة أرخميدية في بحثها لعلاقته بالبيت الكبير – الوطن. ويعتمد بحث السيدة عثامنة على مقابلات مع نساء يافاويات، حيث كشف البحث عن هوية متعددة الأبعاد: العنصر العائلي والعنصر القومي. وقالت أن الدولة تستغل مسألة "الترميم" في محاولة لاخفاء سياستها الهادفة إلى تفريغ يافا من سكانها والاستيلاء على البيوت ومحو الحيز الفلسطيني.

ثم تناولت السيدة أمنة عثامنة مسألة المقاومة وقالت أن مقابل سياسة إسرائيل الهادفة إلى الاستيلاء على البيت الفلسطيني تقوم النساء على تطوير سبل مختلفة للمقاومة، مثل التمسك بإمكانية ترك البيت لأولادهن، الأمر الذي يضعهن في موقف الصمود الدائم. "تتمسك النساء بالأمل، فهن يمارسن أساليب مقاومة مختلفة لحماية البيت والحفاظ عليه، وذلك في محاولة للتحايل على السلطة. هذا نوع من أنواع المقاومة والصمود"، قالت عثامنة.

هذا وعقب على مداخلة السيدة أمنة عثامنة، طالب الدراسات العليا، السيد سامي أبو شحادة ابن مدينة يافا، الذي أشاد بالبحث مشيرا إلى الإلمام الواسع بالنظريات المختلفة والأدبيات، ووصف البحث على أنه "مبشر وواعد". وقال السيد شحادة أن علي الباحثين/ات الفلسطينيين التنبه إلى أننا لم نفكك بعد النكبة بشكل جدي ولم نستوعبها . "لا يوجد لدينا معلومات جدية تفصيلية حول ما حدث في النكبة، وحول ما حدث للإنسان الفلسطيني. ونحن ندرس النكبة واسقاطاتها في الجامعات الإسرائيلية وننتج داخل هذه الأكاديمية التي تنكر النكبة في غالبيتها"، قال شحادة.

وفي معرض تعليقه على بحث السيدة عثامنة قال أن جميع المقابلات أجريت مع فقراء وأنه لا يعتقد أنهم يمثلون حقا المجتمع اليافاوي بكليته. "هذا الخيار أنتج مفهوما معينا غير دقيق. كما أن اعتماد الزمن 1948 كنقطة انطلاق للبحث يساهم في خلق جماعة جديدة هي عرب إسرائيل"، مؤكدا على ضرورة العودة إلى ما قبل النكبة وقبل إسرائيل لدراسة الحالة الفلسطينية. كما أكد السيد شحادة على ضرورة إبراز مسألة الفصل العنصري التي تمارسها إسرائيل كجزء من سياسة تقسيم الحيّز.