"إلى جانب كون الاعتداء الجنسيّ حدثًا صادمًا وله الكثير من التأثيرات النفسيّة والسلوكيّة على الضحيّة؛ حيث يمثّل لمعظم الضحايا فقدانَ الحياة، وفقدانَ الحبّ والأمان، ويسبّب للضحايا المعاناة العائليّة والمجتمعيّة -إذ تعاني النساء (في الأغلب) من تلويم الأهل والمجتمع-، إضافة إلى كلّ هذه المعاناة، تعاني النساء الفلسطينيّات كذلك من سلسلة خسائر أخرى لدى التقائهنّ مع جهاز الضبط الاجتماعيّ والقضائيّ" – هذا بعض ما جاء في سمينار "ضحيّة مزدوجة: النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ"، الذي عقده برنامج الدراسات النسويّة في مدى الكرمل (المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة التطبيقيّة) بمناسبة اليوم العالميّ لمكافحة العنف ضدّ النساء.

 

افتتحت اللقاء وأدارته همّت زعبي، مركّزة برنامج الدراسات النسويّة، وقالت بعد الترحيب بالحضور: "على الرغم من مرور أكثر من عَقد على إعلان اليوم العالميّ لمكافحة العنف ضدّ النساء، وعلى الرغم من النشاط النسويّ في المجتمع الفلسطينيّ في إسرائيل في قضايا الاعتداءات الجنسيّة من خلال العمل على رفع الوعي للعنف الجنسيّ واقتراح طرق تدخُّل وعلاج للضحايا، فإنّ الإحصائيّات التي تقوم بجمعها وتوثيقها جمعيّات نسويّة فلسطينيّة مختصّة في المجال تشير إلى خطورة الظاهرة، ولا سيّما في ما يتعلّق بعدم الثقة بين ضحايا العنف الجنسيّ والشرطة؛ إذ تشير إحصائيّات جمعيّة "السوار" – الحركة النسويّة العربيّة لدعم ضحايا الاعتداءات الجنسيّة- إلى أنّ نسبة ضئيلة من ضحايا العنف الجنسيّ المتوجّهات إلى خطّ الطوارئ في الجمعيّة تتقدّم بشكوى إلى الشرطة، ممّا يثير العديد من التساؤلات التي سيحاول اللقاء اليوم الإجابة عنها من خلال عرض نتائج دراسات جديدة في المجال".

في مستهلّ مداخلة السيّدة سائدة مقاري-ريناوي (اختصاصيّة اجتماعيّة، ومديرة وحدة معالجة العنف في العائلة مكتب الشؤون الاجتماعيّة في الرينة) التي تستند إلى أطروحة اللقب الثاني التي قدّمتها مقاري-ريناوي في قسم الخدمة الاجتماعيّة في الجامعة العبريّة، أشادت بأهمّـيّة السمينار الذي يتناول إحدى القضايا المهمّة التي تعاني منها النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ، مشيرة إلى أنّ نتائج دراستها تؤكّد أنّ النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ يواجهن العديد من الصعوبات عند التقائهنّ بالجهاز القضائيّ الإسرائيليّ عامّة، وبالشرطة الإسرائيليّة على وجه الخصوص. وقالت: "إلى جانب كون الاعتداء الجنسيّ حدثًا صادمًا وله الكثير من التأثيرات النفسيّة والسلوكيّة على الضحيّة؛ حيث يمثّل لمعظم الضحايا فقدانَ الحياة، وفقدانَ الحبّ والأمان، ويسبّب للضحايا المعاناةَ العائليّة والمجتمعيّة، إذ تعاني النساء في الأغلب من تلويم الأهل والمجتمع؛ إضافة إلى كلّ هذه المعاناة، تعاني النساء الفلسطينيّات كذلك من سلسلة خسائر أخرى لدى التقائهنّ بالشرطة"، إذ تُعزِّز نتائج البحث الذي قامت به السيّدة مقاري-ريناوي غالبيّةَ نتائج الأبحاث التي أجريت في أرجاء العالم، والتي قامت بفحص تجارب ضحايا الاعتداءات الجنسيّة من بنات الأقلّـيّات عند لقائهنّ للشرطة، بدءًا من إضفاء صبغة "الاعتياديّ" على الاعتداء، وصولاً إلى التقليل من شأن الاعتداء، وغياب التقبّل والتفهّم، وفجوات اللغة، والتمييز. وفي هذا السياق تقول مقاري-ريناوي إنّ دراستها تكشف النقاب عن "أنّ الجهاز القضائيّ في إسرائيل يتدخّل في قضايا العنف الجنسيّ في المجتمع الفلسطينيّ على نحوٍ مبنيّ على آراء مسبقة ولا تناسب سلّة الخدمات التي يقدّمها الجهاز احتياجات الضحايا، فضلاً عن انعدام وجود أدوات لقياس الخطر الذي قد تواجهه الضحيّة، فـتـبـقـى دون حماية. من هنا، بينما تصف الأبحاث العالمية تجربة ضحايا العنف الجنسيّ مع الشرطة بأنّها تجربة تشبه "الاغتصاب المجدّد"، تشير نتائج دراستي هذه إلى أنّ لقاء النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ مع جهاز القضائي تُدخِل الضحيّة في "دائرة اغتصاب" ممّا يزيد من معاناتها، وهكذا تضاف يد الشرطة إلى الأيدي التي تحاول إخراس الضحيّة".

 

المداخلة الثانية كانت للسيّدة عنان أبو صالح (اختصاصيّة اجتماعيّة، ومديرة إقليميّة لبرنامج "فتيات وأولاد في ضائقة" في قرى الشاغور). استندت المداخلة إلى رسالة الدكتوارة التي تعمل عليها أبو صالح في قسم الخدمة الاجتماعيّة في الجامعة العبريّة، والتي حملت العنوان "الفتيات الفلسطينيّات، العنف الجنسيّ ومراكز مساعدة الفتيات"، فتركزّت في فهم وتحليل العلاقة بين السياق السياسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ لضحايا الاعتداءات الجنسيّة الفلسطينيّات واختيار طرق العلاج حسب وجهة نظر المهنيّين. وقالت أبو صالح في مستهلّ مداخلتها: "موقع النساء الفلسطينيّات ضحايا العنف الجنسيّ، وكونهنّ أقلّـيّة وطن، يضعانهن في أربع دوائر قمع: الأولى نتيجة كونها امراة؛ الثانية انتماؤها إلى مجتمع ذكوريّ؛ الثالثة كونها أقلّـيّة سياسيّة في دولة محتلّة وعنيفة؛ الرابعة كونها ضحيّة اعتداء جنسيّ". وأضافت: "تجتمع هذه الدوائر لتزيد من معاناة الضحيّة؛ فمن ناحية المجتمع، تعاني الضحيّة -وفي بعض الأحيان عائلتها- من وصمة عار يُلْصِقها بها المجتمع. أمّا من الناحية السياسيّة، فشعور الاغتراب بين الضحيّة والمؤسّسة –فضلاً عن التمييز في طرق العلاج والخدمات التي تقدّمها المؤسّسات المختلفة- يزيد من معاناة لضحيّة". أمّا في ما يتعلّق بالمهنيّين، فأضافت أبو صالح قائلةً: "التعقيدات التي تواجه ضحايا العنف الجنسيّ تنعكس كذلك على المهنيّين؛ فمن ناحية، يعاني المهنيّون هم كذلك من قلّة ثقة الضحيّة بهم لكونهم يعملون في مؤسّسات إسرائيليّة. ومن ناحية أخرى،ّ يواجهون صعوبات حقيقيّة تنبع من شُحّ الموارد المخصّصة لهم للعلاج".

في أعقاب المداخلتين، قامت السيّدة حنين إلياس (وهي عاملة اجتماعيّة وتدرّس في قسم الخدمة الاجتماعيّة في كلّـيّة صفد، وتدرس للحصول على درجة الدكتوراة في موضوع العمل الاجتماعيّ في الجامعة العبريّة في القدس في مجال الاعتداءات الجنسيّة) بالتعقيب على المداخلتين، مشيرة إلى أهمّـيّة الدراستين في إلقاء الضوء على قضيّة بالغة الأهمّيّة للنساء في مجتمعنا قلّما بُحثت، ولا سيّما أنّ الدراستين تقومان برفع وإيصال صوت الضحيّة. وأضافت قولها: "أرى من المهمّ والضروريّ، عند الحديث عن الاعتداءات الجنسيّة، التمييز بين أنواع الاعتداءات الجنسيّة: التحرّش الكلاميّ؛ التحرّش الجسديّ؛ الاعتداء؛ الاغتصاب. وليس ذلك من قَبيل التمييز بين حدّتها وصعوبتها، بل من قَبيل التعمّق في كلّ منها لبناء خطّة تَعامُل وعلاج تتناسب مع كلّ منها. كما أرى من الضروريّ، ابتغاءَ معالجة هذه الظاهرة ومحاولة الحدّ منها، أن نقوم كذلك بدراسة الظاهرة من جميع جوانبها، ويشمل ذلك المعتدين ومرتكبي هذه الجرائم حتّى نتمكّن من بناء برامج توعية وعلاج مناسبة وناجعة".
بعد التعقيب، دار نقاش بين الحضور والمحاضِرات تمحْوَرَ –في الأساس- حول المعضلات التي تواجه المهنيّين في مرافقة النساء ضحايا العنف الجنسيّ في المجتمع الفلسطينيّ، ولا سيّما المعضلة التي تتعلّق بتوجيه الضحيّة إلى المسار القضائيّ بصورة عامّة، وتقديم شكوى إلى الشرطة على وجه الخصوص، وذلك على ضوء ما جاء في نتائج الدراستين.