اسرائيل والأقلية الفلسطينية 2004
تقرير مدى السنوي الثالث للرصد السياسي
تحرير: نمر سلطاني
(آب 2005)

 

ينقسم هذا التقرير إلى جزأين. الجزء الأوّل هو تقرير الرصد السياسيّ السنويّ الثالث الذي يصدره مدى الكرمل- المركز العربيّ للدراسات الإجتماعيّة التطبيقيّة. وينقسم هذا الجزء بدوره إلى أربعة فصول. يعالج الفصلان الأوّل والثاني سياسة الدولة الرسميّة ومؤسّساتها المختلفة تجاه المواطنين العرب الفلسطينيّين.

يستعرض الفصل الأول التغيّرات الأساسيّة التي طرأت على التشريع وقرارات الكنيست. تتطرّق غالبية التشريعات في هذا الفصل إلى المواطنة والديموغرافيا والأراضي، وتحمل بدورها انعكاسات هامة على المواطنة العربيّة في إسرائيل، وتشير إلى الخطاب الإسرائيلي الدائر حول هذه المواطنة. في قرارات الكنيست، نتوقّف عند قرارات لجنة الآداب ضدّ أعضاء الكنيست العرب. يُستدلّ من المعطيات التي نعرضها أنّ هذه اللجنة قد تحوّلت في العام 2004 إلى أداة سياسيّة لمعاقبة الأعضاء العرب وتضييق الخناق عليهم، وشكّلت خطوة إضافيّة في عمليّة نزع الشرعيّة عن الأقلـيّة العربيّة بصورة عامّة، وقياداتها السياسيّة بصورة خاصّة.

يستعرض الفصل الثاني نماذج عديدة لقرارات أذرع السلطة التنفيذيّة في مجالات عدّة. وتمكن الإشارة إلى ثلاثة أمور بارزة في هذا الفصل وهي: أوّلاً، تَواصُل سياسة تهويد الأرض، ومنع "سيطرة العرب" (لا سيّما البدو من بينهم) عليها. ثانيًا، سياسة الفصل بين اليهود والعرب، من خلال وضع العراقيل القانونيّة والبيروقراطيّة وغيرها لمنع سكن الأزواج العرب في البلدات اليهوديّة. كما تتواصل سياسة هدم البيوت العنيفةُ والتمييزيّةُ في المدن والقرى العربيّة، التي لا توازيها سياسة مماثلة في المدن والقرى اليهوديّة. ثالثًا، تدخّل الأجهزة الأمنيّة (مجلس الأمن القوميّ والشاباك) في تحديد وبلورة السياسات تجاه المواطنين العرب. ونلحظ هذا التدخّل في جهاز التربية والتعليم العربيّ، وفي منع لـمّ شمل العائلات، وفي قمع النشاط السياسيّ.

يتطرّق الفصلان التاليان إلى السياسة غير الرسميّة، أي المعاملة التي يلقاها المواطنون العرب في حياتهم اليوميّة من قبل المجتمع الإسرائيليّ.

يستعرض الفصل الثالث مزاج الرأي العامّ الإسرائيليّ في السنة الأخيرة، من خلال المقارنة مع سنوات سابقة. ونلاحظ، مرّة أخرى، أنّ الجمهور اليهوديّ متمركز في ذاته من الناحية الإثنيّة، ومناهض للّيبراليّة، ومُعادٍ للعرب على نحو يفوق ممثلّيه المنتخَبين. تتفشّى في صفوف هذا الجمهور توجّهات عنصريّة وغير ديموقراطيّة.

قمنا في الفصل الرابع بجمع نماذج كثيرة على ثقافة الكراهية الشعبيّة والتمييز ضد العرب في إسرائيل. يستعرض الفصل تفوّهات قاسية كثيرة، قالها أو كتبها ساسةٌ وصحافيّون وأكاديميّون وحاخامات. وكما يظهر في هذا الفصل، لا تقتصر هذه الثقافة على العنف الشفويّ فقط، بل تتعدّاه إلى العنف الجسديّ الذي يمارسه الشرطيّون ورجالات الأمن والمواطنون العاديّون. شهدنا في العام 2004 دعوات لطرد العرب في عدّة مواقع في البلاد: أشكلون (عسقلان) وأشدود (أسدود) والقدس ومغدال وصفد. وشهدنا تأسيس حزب يمينيّ جديد، يدعو علانية إلى طرد العرب. ورأينا كيف يوظّف العنف ضد العرب التقنيّات الحديثة (كالإنترنت وألعاب الرسوم المتحرّكة على الهواتف النقّالة). وفي هذا الفصل، كما في الفصل الأول، نوثّق ونفنّد، في آن واحد، الخطاب الديموغرافيّ الذي يتعامل مع العرب بوصفهم أعداء ومصدرًا للتهديد. ونسلط في هذا الفصل الضوء بصورة خاصّة على صحيفة "جروزاليم بوست"، ونسوق نماذج عينيّة لأفكار عنصريّة نُشرت على صفحاتها (قمنا بالأمر نفسه في تقرير الرصد الثاني، الذي تطرّق إلى العام 2003 من خلال متابعة صحيفة "معاريف" لفترة محدّدة). كما يوثّق هذا الفصل التمييز ضد المواطنين العرب في الجهاز القضائيّ بهيئاته المختلفة، مع التركيز بشكل خاصّ على المحاكم.

يحتوي الجزء الثاني على أربعة مقالات. تعدّد مقالة نمر سلطاني، التي تفتتح هذا الجزء، الاستنتاجات الأساسيّة، كما يراها الكاتب، التي يمكن استخلاصها من تقارير الرصد السياسيّ الثلاثة. ويرى الكاتب أنّ العنصريّة في إسرائيل تشكّل تيّارًا مركزيًّا في المجتمع اليهوديّ الإسرائيليّ، ويرصد علاقة مباشرة بينها وبين إفراغ المواطنة العربيّة من مضامينها وحجب المساواة، من ناحية، وبينها وبين الاحتلال الإسرائيليّ في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، من الناحية الأخرى. ويرى الكاتب أنّ المواطنة العربيّة لا تتعدّى المواطَنة الشكليّة، لذا يطلق على المواطنين العرب "مواطنون بلا مواطَنة"، ويضيف أنّ الديموقراطيّة في "دولة يهوديّة وديموقراطيّة" هي شكليّة فقط، وأنّ التمييز لصالح اليهود على حساب الآخرين هو تمييز بنيويّ، وأنّ وجود أغلبية يهوديّة هو شرط مسبق لوجود هذا النظام الذي يتّسم، لهذا السبب، بالمحدوديّة. بناءً على ذلك، لا يستطيع العرب تحقيق المساواة الجوهريّة والحصول على المواطنة الحقيقيّة في نظام من هذا النوع.

تتمحور مقالة نديم روحانا حول المجهود الإسرائيليّ، الفكريّ والدستوريّ، لدفع وتعزيز فكرة "الدولة اليهوديّة والديموقراطيّة". يطلق روحانا على هذا المشروع اسم "الخداع الذاتيّ القوميّ"، ويحلّل تأثير هذا المشروع على المواطَنة العربيّة، ويشير إلى العنف المتأصّل في فكرة الدولة اليهوديّة، وإلى الديناميكيّات الحتميّة لمقاومة هذا المشروع. ويرى الكاتب أنّ مشروع الرصد السياسيّ يشكّل أداة في خدمة هذه المقاومة.
وفي حين يطلق سلطاني على المواطنين العرب "مواطنون بلا مواطنة"، يحلّل يوآف بيليد ودورون نافوت في مقالتهما المكانة المدنيّة العربيّة بعد مظاهرات أكتوبر 2000 الاحتجاجيّة. ويدّعي الكاتبان أنّ لجنة أور حاولت ترميمَ ملامح "الديموقراطيّة الإثنيّة"، ورسْمَ الحدّ الفاصل الذي يميّز بين المواطنين وغير المواطنين من الفلسطينيّين. وفي المقابل، كما يدّعيان، قامت لجنة لبيد بعمليّة عكسيّة، وعزّزت السيرورة المناهضة للديموقراطيّة التي كانت بدايتها في أكتوبر عام 2000. ويستنتج بيليد ونافوت أنّ إسرائيل ماضية نحو نظام غير ديموقراطيّ يتميّز بطغيان الأغلبيّة، وأن هناك تدهور في المكانة المدنيّة للعرب في إسرائيل، وأنّ تآكلاً قد أصاب الخطّ الفاصل بين مكانة الفلسطينيّين كمواطنين، ومكانة الفلسطينيّين من غير المواطنين.

تنطلق مقالة أمل جمّال من أن المواطنة الليبراليّة الممنوحة للعرب ليست بمواطنة كاملة ومتساوية. وتفحص هذه المقالة الإستراتيجيّات التي تتبنّاها الأقلـيّة العربيّة في السنوات الأخيرة لتحسين مواطنتها ومكانتها. وتهدف هذه الإستراتيجيات إلى اختراق حدود المواطنة الليبراليّة. يكمن الادّعاء المركزيّ للمقالة في استحالة فحص البدائل الإستراتيجيّة للأقلّيّات بعامّة، وللأقليّة العربيّة بخاصّة، دون فحص سياسة الدولة وتأثيراتها على الأقليّة.